24 October 2015

إبراهيم عيسى: دم الحسين


إبراهيم عيسى

دم الحسين


مقدمة

(أ)

كم مرة بكيتُ وأنا أكتب هذا الكتاب!
فجأة، حضر التاريخ كله في حجرة مكتبي. وجدتُ السيوف اللامعة، والدم المُراق، ودفقات الجثث، وصراخ الثكالى، والأحصنة اللاهثة، والحر القائظ، وألسنة النار، وألوان الخيانة، وعتمة الغدر، ودهاليز السياسة، وستائر القصور، وجموع الرؤوس المقصوفة والمذبوحة... وجدتُ كل هذا على المقعد المقابل، وحول حواف المكتب، وفوق المكتب، وتحت أوراقي، وخلف ظهري. واندفع الدم ساخنًا وسخيًّا على أقلامي وأوراقي وكتبي، حتى ظننت أنها النهاية.
ثم إنني رأيت الحسين!

(ب)

لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
ولا يستوي ـ كذلك ـ الذين يتعلَّمون مع الذين لا يتعلَّمون.
والتاريخ مُعلِّم عظيم.
ليس ـ إذن ـ من قبيل المصادفة أن يكون المفسِّر العلَّامة ابن كثير، صاحب أهم التفاسير الشارحة للقرآن الكريم، هو نفسه صاحب المجلد الضخم «البداية والنهاية»، أهم مراجع التاريخ الإسلامي كافةً. وليست مصادفة ـ كذلك ـ أن يكون «تاريخ الرُّسل والملوك» للإمام الطبري واقفًا على قدم المساواة مع عطاء الطبري الفكري والديني والتفسيري.
وإنهما ـ وغيرهما ـ عرفا معنى التاريخ، وأنه الساحة المفتوحة لاختبار واختيار الدين والدنيا.
التاريخ ـ قصصًا وحكاياتٍ وسِيرًا ـ مدرسة حقيقية لكل تلاميذ الحقيقة.
والغريب أن أحدًا من الذين يتشدقون ويُفتُون ويرمون الناس بالفتاوى لم يعطِ نصف وقته ـ أو رُبعَه ـ لقراءة التاريخ وفهمه، وليعلم يقينًا أن السياسة غير الدين، وأن الدين ليس مطية السياسة، وأن أناسًا رفعوا المصاحف والسيوف ـ والبنادق ـ بعضهم أمام بعض، مع أنهم لا يختلفون كثيرًا ـ ولا أبدًا ـ في شروح الآيات وفقه السُّنة، وإنما استخدم كل طرف الآيات والأحاديث لهثًا وراء الحُكم والنفوذ والمال... وقَطع الرقاب.
الدين كانت معركته سهلة.
أما الدنيا فهي معركة دامية.
وأهم ما يُفصح عنه التاريخ أن الدين قد تم استعماله واستخدامه ـ ولا يزال ـ لصالح الدنيا. كما أن القيم الشريفة والخِصال الرفيعة تُدهَس دومًا تحت حوافر الخيل وجنازير الدبابات.

(ج)

هل وقته الآن الكلام عن الحسين؟
نعم، في كل وقت نحن في حاجة إلى هذا الزمن، ومع كثرة ما كُتب ـ وما قُرئ ـ عن الحسين سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (جعلَنا الله من شبابها... يا رب) فإن كثيرًا من العيون والأقلام أغفل الحديث عمَّا بعد مقتل الحسين.
ماذا جرى تحت اسم دمائه الطاهرة؟
حقًّا، يمكن أن ننخدع بالشعارات واللافتات، بدءًا بـ«يا منصورُ أَمِت» وانتهاء بـ«الإسلام هو الحل»، لمجرَّد نبل وعظمة وأهمية الشعار.
إن الشعار يظلُّ ـ مهما كان ـ شعارًا.
أما الذي يُطبقه...
أما كيف يُطبقه...
فهذه هي القضية!

(د)

ستجد في هذا الكتاب شيئًا مما أريد أن أقوله، لكن لن تجد كل شيء تمنيت أن أقوله، وعليك أنت أن تقرأ وتخرج بما تريد.
لكن ما أضمنه لك، أمران:
الأول: أنك ستُحِب سيدنا الحسين أكثر.
والثاني: أنك سترى هولًا لا تطيقه، ودماءً لم تعهدها، وأحداثًا أغرب من أن تتخيلها. وكل هذا حقيقي، وسنده الأساسي ابن كثير والطبري.

(هـ)

عندما أعدت قراءة كتابي هذا، قررت أن أحذف منه كثيرًا وأضيف إليه أكثر. لكنني كلما كنت أحاول، أعود فأرى الدم المُراق، والأحصنة اللاهثة، والسيوف اللامعة، وألسنة النار، وألوان الخيانة، ودفقات الجثث، وصراخ الثكالى، وجموع الرؤوس المقصوفة والمذبوحة.
فلم أحذف، ولم أُضِف.



دم الحسين
(تدور الأحداث بين عامي 60 و67 هجريًّا)


الجزء الأول

الخيل فوق صدر الحسين
أنت يا حرُّ حرٌّ

وقف الحر بن يزيد على فرسه، ينظر بعيون دامعة، وقلب واجف، وبدن مُرتعِد، برعشة أخذت عليه جسده، وأنهكت قلبه. يتحرك بفرسه دائرًا حول نفسه، ملقيًا نظراته على الصحراء الممتدة أمامه، وقد تَحكَّمت فيه أفكاره، وسيطرت عليه أحاسيسه. بدا كأنه ليس الحر بن يزيد، أقوى فرسان قومه، وأعظم قادة الكوفة العسكريين.
كانت حوافر الفرس تخبط في الرمال، فتثير غبارًا، وتفجر ترابًا فوق تلك الربوة التي اعتلاها الحر.
وبين عُمْرين وحياتين وقدرين ومستقبلين، يتردد.
عن يمينه جيش الحسين بن علي بن أبي طالب، الحسين ابن النبي صلى الله عليه وسلم، يحاصره الجنود والحطب والقصب والخشب والنار والخيام، التي يتخذها ابن بنت رسول الله وقاية لظهره وحماية لأهله.
تتصلَّب عيونه في هذه البقعة من «كربلاء» على ابن نبيِّه، ذلك الذي يُصلِّي عليه ويُسلِّم، ويرجو عفوه وشفاعته، ويُقاتل من أجل دينه، ويُعلي في بنائه.
لكز الحر بطن فرسه وهو يسأل نفسه: ما الذي أوقعني؟ مَن الذي قادني إلى تهلكة نفسي، وبيع الدين بالدنيا؟!
تَذكَّر أوامر عمر بن سعد، قائد جيش يزيد الزاحف بأربعة آلاف جندي وفارس يطلبون دم الحسين أو جرَّه إلى قصر الكوفة، حيث ينتظره زياد بن مرجانة، أمير يزيد بن معاوية على الكوفة، بدمامته، ووحشيته، وسوء خُلقه، وسوأة خِلقته، يفترس عظم ابن النبي العظيم، وينهش في لحم رسالته وحلم إمامته.
ـ ما الذي أوقفني هنا يا أبناء الأفاعي؟
حدَّث الحر نفسه، وهو يلتفت إلى جيش عمر بن سعد، وحسم أمره، وأجبر شيطانه على التراجع.
ـ مقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ (يقصد الحسين).
فأجابه عمر:
ـ إي والله، قتالًا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
ليست المسألة تهديدًا لكي يتراجع الحسين عن طلب الخلافة، وليست مجرَّد إرهاب ليُسلِّم ليزيد بالبيعة.
إن الأمر جِدٌّ، وإن الهلاك قادم، والحسين مقتول لا محالة، فهو يقف بين ثلاثين أو أربعين رجلًا فقط من أهله وأنصاره وعشيرته. وحدَه في هذه الصحراء الشاسعة القاتلة. خلفه النيران الناشبة في خيامه، وأمامه أربعة آلاف فارس يقودهم الطامح إلى الإمارة، والأفَّاق، والمنافق، والمريض بالسُّلطة، والذي باع دينه مقابل كيس دراهم، والذي أجبره الخوف وأضعفته النَّفس السيئة، فاندفع لمقاتلة ابن النبي لا كذب، ابن علي بن أبي طالب، ابن فاطمة بنت محمد.
يا الله!
ما أضيع النفس، وأضعف القلب، وأخفَّ الثقل يوم العرض على الميزان!
سمع الحر حوافر فرس تقترب، وارتجاج جسد فوق ظهر الفرس، وهمهمة بعيدة تدنو.
إنه المهاجر بن أوس، صاحبه ورفيقه في رحلة الصحراء، وصفوف الجيش، وسكن الكوفة، والخروج لقتال «الدَّيلم» فجرًا، والصلاة في المسجد، والتسبيح في العشاء، وجلسات الشِّعر أمام نيران تدفئ القلب والصدور في ليل الكوفة.
زعق فيه المهاجر منتفضًا فوق حصانه:
ـ والله إن أمرك لَمُريب، والله ما رأيت منك في موقف أبدًا مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي مَن أشجع أهل الكوفة رجلًا، ما اخترت غيرك، فما هذا الذي أرى منك؟!
التفت إليه الحر وقال:
ـ إني والله أُخيِّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئًا ولو قُطِّعتُ وحُرِّقت!
دفع الحر فرسه فانطلق بالحوافر وزغرد بالصهيل، والمهاجر يتابعه مندهشًا مذهولًا. ودخل بفرسه إلى حلقة الحسين الصغيرة المقاتلة الشجاعة المؤمنة. اقترب منه لاهثًا، واثقًا، مطمئنًّا:
ـ جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق. وإني جئت تائبًا مما كان منِّي إلى ربي، ومواسيًا لك بنفسي، وحتى أموت بين يديك. أفترى ذلك لي توبة؟
نظر إليه الحسين ابن رسول الله، وقال:
ـ نعم يتوب الله عليك، ويغفر لك... ما اسمك؟
فقال:
ـ أنا الحر بن يزيد.
قال الحسين:
ـ أنت الحر كما سمَّتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة.

20 October 2015

علي الشوباشي: رابعة ثالث


علي الشوباشي

رابعة ثالث

الصورة
دخلت حجرة مكتبي ذات يوم كعادتي، فإذا بي أصاب بإحباط شديد. لم يكن قد حدث أي تغيير في الغرفة أو في نظامها، فمنذ فترة طويلة، يعرف كل من في المنزل أن حجرة مكتبي مقدسة، وأن الفوضى الشديدة التي تتميز بها هي «فوضى منظمة». فأنا أعرف طريق كل ورقة ومكان كل كتاب وسط هذه الأكوام المتناثرة كيفما اتفق، في أماكن لم تُخصص لها في معظم الأحيان.. أو على الأقل هذا هو ما كنت أقوله لزوجتي.. فالحقيقة هي أنني كثيرًا ما بحثت عن ورقة أريدها بصفة عاجلة فلم أجدها في المكان الذي كنت واثقًا أنني وضعتها فيه، أو عن كتاب أريد أن أقرأه أو أرجع إلى شيء فيه، فلم أعثر له على أثر.. ولكنني بشر، وذاكرة البشر ليست منزهة.. أظن أنه لا خلاف على ذلك!
على أية حال، كنت قد نجحت في إقناع زوجتي بذلك، أو ادَّعت هي الاقتناع، فحرصتْ على ألا تدع أحدًا من الأولاد يدخل الحجرة، كما أعطتْ تعليمات مشددة إلى المرأة التي تنظف المنزل بألا تنقل ورقة واحدة أو كتابًا واحدًا من المكان الذي يوجد فيه، والاكتفاء بإزالة الأتربة. أما إذا اضطرتْ لرفع كتاب أو أوراق من مكانها، فعليها أن تعيدها إلى نفس المكان بالضبط.
لم يكن قد حدث إذن تغيير في نظام الغرفة (أو عدم نظامها إذا أردت الدقة)، على الأقل في الظاهر. فأنا أعترف أنه حتى لو كانت بعض الأوراق أو الكتب قد نقلت من مكانها، بل اختفت تمامًا، لما كان في إمكاني أن ألاحظ ذلك.
ومع هذا، نظرت للحجرة وأصابني الإحباط، وقلت لنفسي: «كيف يمكن أن تعمل في مثل هذه الفوضى؟! هل من المعقول أن يوحي مثل هذا المنظر بشيء ذي قيمة؟». والغريب أنني أكتب في هذه الحجرة وهي على حالتها هذه منذ سنوات، ولم يخطر لي مثل هذا الخاطر. ربما كنت يومها في حالة نفسية غير طبيعية. ربما حدث لي شيء ضايقني، فانعكس ضيقي على الحجرة. لا أذكر بالضبط سبب ذلك التغيير الداخلي الذي انتابني، لكن الذي أذكره هو أنني قررت أن أرتب حجرة مكتبي.
ولو حاولت أن أحكي هنا كيف كنت أقوم في ذلك اليوم بفرز الأوراق والكتب التي كانت على المكتب أو المصفوفة في أرفف المكتبة، أو تلك التي كانت فوق الكراسي، بل وعلى الأرض، وكيف كنت أضع لها ترتيبًا سرعان ما يضطرب، وكمية الأتربة التي كانت راقدة وسط هذه الأكوام المكدسة، ورائحتها النفاذة التي ملأت خياشيمي ويديَّ، لطال الحديث وأبعدنا عن بيت القصيد.
وبيت القصيد هو صورة وجدتها أثناء عملية «تنظيم» حجرة مكتبي في مكان لا أذكره الآن. كانت صورة مدرسية أخذت أدقق النظر فيها إلى أن استطعت أن أتذكر أنها صورة لفصل «رابعة ثالث» بمدرسة المنيرة الثانوية التي حصلت منها في العام التالي على الثانوية العامة، التي كانت تُسمى وقتها شهادة التوجيهية. وقد التقطت هذه الصورة - إذا لم تخني الذاكرة - في شهر ديسمبر عام 1949.
الناظر والمدرسون يجلسون على كراسٍ في الصف الأول، وخلفهم يقف التلاميذ في ثلاثة صفوف.. التلاميذ القصار في الصف الثاني، والأطول منهم في الصف الثالث، ثم أطول القامات - وأنا منهم - في الصف الرابع.
نظرت إلى الصورة بدهشة، فلم أكن أذكر عنها أو عن كيفية وصولها إلى هذا المكان شيئًا، ثم ابتسمت. فقد أثارت تداعيات كثيرة، وجعلت الماضي البعيد حاضرًا في لحظة واحدة. وبدأت أدقق النظر لأعرف هل سأتذكر أسماء زملائي القدامى أم لا. تذكرت بعضهم، لكن معرفة البعض الآخر كانت تحتاج إلى إعمال الذاكرة. وترددت قليلًا، وبمجهود نفسي كبير وضعت الصورة جانبًا، لأنني أدركت أن الغرق في محاولة تذكر كل من فيها سيستغرق وقتًا قد يطول بحيث لا أكمل تنظيم حجرتي.
واليوم، وبعد أن مضت عدة شهور على يوم اكتشافي للصورة، وبعد أن بدأت الفوضى تدب من جديد في الحجرة التي استغرق ترتيبها بعناية شديدة يومًا كاملًا، رأيت الصورة أمامي.. والآن ليس لدي شيء مهم أقوم به، لذلك فإنني سأحاول أن أتفحص هذه الوجوه وأتذكر أصحابها، وأستعيد ما أعرفه عن مسار حياة بعضهم فيما بعد.


11 October 2015

إبراهيم عبد الحليم: أيام الطفولة


إبراهيم عبد الحليم

أيام الطفولة


1

منذ طفولتي كانت الأحداث تدور من حولي عنيفة تهز نفسي وتترك فيها أثرًا كوقع السياط ما زلت أحس بآلامه ومرارته حتى اليوم، مرض أبي وأطفال يقضون الليالي مع أمهم بلا لقمة خبز.. وعمليات نط الحواجز التي كنت أقوم بها مع أمي لانتزاع حقي في التعليم.. والقلوب الرحيمة والقلوب الجامدة القاسية التي كانت تعترض طريقنا وفي يدها تقرير مصيري.. وأحداث عديدة أخرى يحتاج سردها إلى عشرات الصفحات.. وأحداث صغيرة ما زالت راسبة في أعماقي كانت تحدد نظرتي إلى الناس وإلى العالم: ناظر المدرسة الذي سمح لي بدخول المدرسة والاستماع إلى الدروس بطريقة هي أشبه ما تكون بعمليات السرقة، وانفعالات الحقد والكراهية والتمرد التي كانت وما زالت تهزني وأنا أكتب هذه العبارات.
ما زلت أذكر جيدًا عدد تلاميذ الفصل.. اثنين وثلاثين، ومع ذلك كان الرقم المدون في ورقة الغياب واحدًا وثلاثين فقط. كانت هذه المسألة تحير المدرسين، كنت أفاجأ وخاصة في أيام الدراسة الأولى بعملية عرض لفقري وعجز أهلي. كان المدرس يمسك ورقة الغياب ويعد التلاميذ فيجد عدد الموجودين يزيد واحدًا عن عدد المقيدين في الورقة فيسأل عن السبب ثم يتذكره بعد أن يستقر نظره عليَّ أو يستمع إليه من جديد من تلميذ صغير لبق يُفهمه السر بعبارات ساذجة أو بابتسامة سخرية يصوبها نحوي.. أية مهانة؟ - وأظل طوال اليوم أفكر وأسأل نفسي: لمَ؟ وكيف؟ - وأراود نفسي أحيانًا في الهرب من الفصل ومن المدرسة ومن بيتنا حتى أتخلص من هذه المهانة ومن الألم المُمِضِّ الدائم.
ومن حين لآخر كان يزور المدرسة أحد المفتشين. وتعودت أن أتوقع في هذه الحالات سماع طرقات الفرَّاش على باب الفصل - كنت وحدي ألتفت إلى الباب بنظرات المتنبئ بما سيحدث - ويذكر الفرَّاش اسمي ويستأذن المدرس في خروجي لمقابلة الناظر، ولا نكاد نختفي وراء الباب المغلق حتى يطلب مني باسم الناظر أن أظل في فناء المدرسة حتى يخرج المفتش دون أن يكشف الجريمة.. أية مصيبة تحل على الناظر إذا عرف المفتش أنه يستهين باللوائح والحواجز التي وضعتها الوزارة لتمنع أمثالي من تلقي العلم؟
وأهيم على وجهي في فناء المدرسة.. وأتحرك بلا وعي إلى المراحيض ولا أكاد أدخلها حتى أنفر من الرائحة الكريهة وأهرب إلى ملعب الكرة وأنزوي هناك في ركن منعزل؛ حيث ألعن في أعماقي بأحاسيس الحقد والتمرد المدرسة والناظر والمفتش والحياة التي انتقتني لتمثل عليَّ هذا الدور الشاذ.
وحوادث أخرى كثيرة من نفس النوع ما زلت أذكرها: عصابة اللصوص، نعم كنت وعدد قليل من الصبية أمثالي نكوِّن عصابة للسرقة لها تنظيم ولها قيادة ولها أهداف نلتقي حولها. كلهم كانوا متمردين مثلي، وكلهم كانوا يئنون من الحرمان والحاجة وهم يرون رفاقهم يلتهمون قطع الحلوى.. كنا جميعًا لا نتعاون مع كانتين المدرسة ولا مع باعة الطعام والحلوى، وكنا لا نعرف القوانين التي وضعتها الدولة لحماية زملائنا الذين يملكون المال ولهم الحق في شراء كل شيء.
وبدأنا نشاطنا بسرقة الكتب.. فلا يكاد الجرس يدق معلنًا انتهاء الدراسة حتى يندفع التلاميذ فوجًا بعد فوج إلى الباب ويبقى منا ثلاثة أو أربعة، وفي دقائق نسطو على عدد من الأدراج.. وبعد أيام انتهينا من سلب قواميس اللغة الإنجليزية. كنا نعرف أن هذه القواميس هي أقل الكتب استعمالًا، بل كنا لا ندري لِمَ وزعتها المدرسة، ولَمْ يُفهمنا المدرس أننا سنستخدمها في يوم من الأيام.. وكانت القواميس أثمن ما في أدراجنا.. وفي أسابيع انتقلت قواميس الفصل إلى إحدى مكتبات المدينة وتحولت إلى نقود في جيوبنا وإلى حلوى كم كنا سعداء ونحن نلتهمها!
وبعد القواميس انتقلنا إلى أطالس الجغرافيا.. نفس الأسباب دفعتنا إلى تحويل دفة الهجوم عليها - سعرها في السوق وعدم حاجة التلاميذ إليها.
وبعد أسابيع اندلعت الثورة في الفصل واكتشف التلاميذ الواحد بعد الآخر أن قواميسهم وأطالسهم قد اختفت، وبدأ التحقيق ولم يسفر عن شيء.. كنا نحن أيضًا من الضحايا وكنا أكثرهم ثورة.
ووجدنا أن الموقف يحتم علينا نقل نشاطنا إلى ميدان آخر، وتحركت العصابة إلى فصول أخرى حتى شاع في المدرسة أن هناك عصابة تسرق القواميس والأطالس، واضطُر الناظر إلى جمع المدرسة كلها وإلقاء خطبة طويلة عن جريمة السرقة وعن القوانين التي تقف للصوص بالمرصاد وعن السجون والعار والأخلاق والدين والمستقبل المظلم الذي ينتظر المجرم.. لم يرهبنا وعظ الناظر ولا تهديده ووعيده، فالأهداف التي التقينا حولها ما زالت قائمة والحاجة ما زالت تلح علينا كل يوم، والاستفزاز ما زلنا نواجهه في كل ساعة من زملائنا الموسرين.
ما زلت أذكرهم جميعًا بسُتَرهم الجميلة ووجوههم التي تنبض بالدفء والراحة والرفاهية. ما زلت أذكر ابن المأمور وابن مفتش الصحة وأبناء مُلاك الأراضي. ما زلت أذكر أن المدرسين كانوا ينظرون إليهم نظرات مختلفة عن تلك التي تصوب نحو أمثالي.. كانوا يتحدثون معهم عن آبائهم وأملاكهم، وكانوا يعتبون عليهم إذا أخطأوا أو أهملوا في أداء الواجبات ويهددونهم بإبلاغ آبائهم دون أن تمتد إلى أجسامهم الرقيقة كف أو عصا.. أما نحن فكنا في نظر هؤلاء المدرسين بلا آباء وبلا عائلات وبلا بيوت، ولم يكن أهلنا يملكون أشياء تصلح لأن نتباهى بها أو حتى لأن نذكرها.
كنا في المدرسة لا نهرب من واقعنا المر بل نحاول تغطيته بكل الطرق، كنا نظن أننا مثل الآخرين من نفس الطينة، بل وكنا نرى أننا أكثر من الآخرين نشاطًا وذكاء وشجاعة. ومع هذا كنا نواجَه حين نخطئ بالشتائم والصفعات تتوالى على وجوهنا.. شتائم لا تتناول الخطأ الذي ارتكبناه بقدر ما تتناول وجوهنا الضامرة والسُّتر البالية التي نرتديها وفقر عائلاتنا والشوارع والأرصفة التي تنتظرنا والتي تضم أمثالنا من الأطفال المشردين.
ما زلت أذكر زملاءنا أبناء الموسرين.. ما زلت أذكر ضياء ابن مفتش الصحة ووجنتيه الورديتين وعينيه الواسعتين وشعره الأصفر الناعم والملابس الجميلة التي كان يرتديها والأحذية الغريبة الشكل التي كان يفاجئنا بها من حين لآخر. كنت أحبه وكان يحبني، وكان دائمًا يجري ورائي ويفضل أن يتحدث ويلهو معي، ولكني وباستمرار كنت أحس بالحواجز التي تفصله عني: ملابسه.. وجنتيه الورديتين.. الأطعمة التي يأكلها والتي يتحدث عنها.. حجرته الخاصة في بيته ومنضدة «البنج بنج» التي اشتراها له والده من القاهرة.. والمدن التي زارها.. والشواطئ التي يمضي فيها الإجازة الصيفية والناس الذين يزورون بيتهم.. كل هذه الأشياء كانت تبعدني عنه بالرغم من حبي له وتجعلني أنظر إليه كالغريب وأفضل عليه أفراد العصابة.
ووُوجهنا نحن أفراد العصابة بأزمة أو كارثة حين أعلن الناظر أنه سيضرب بيد من حديد على أول لص تقع يده عليه. كنا نفتعل الهدوء والشجاعة ونحن نستمع مع باقي التلاميذ إلى ألوان العذاب التي سيصبها الناظر على أول ضحية تقع في يده. سيجلده مائة جلدة أمام جميع التلاميذ.. سينصب له مشنقة ويجلده في فناء المدرسة. سيحبسه في حجرة مظلمة مليئة بالفئران والثعابين.. وتحدث الناظر عن أشكال أخرى من التعذيب كنا لا نعرف كنهها، وأنهى خطبته الطويلة بأن العقاب لن يقتصر على الجلد والحبس والشنق، بل سينتهي بالفصل نهائيًّا من المدرسة.
واعتبرنا نحن أفراد العصابة أن تهديدات الناظر كانت موجهة لنا وحدنا وكأنه يعرفنا فردًا فردًا، وعقدنا اجتماعًا انتهينا فيه إلى قرار إجماعي بوقف نشاطنا نهائيًّا، ومر أسبوع ونحن نتلوى غيظًا ونحنُّ إلى قطع الحلوى كلما رأيناها في أيدي زملائنا. ومر أسبوع آخر نسينا خلاله تهديد الناظر ووعيده، وقررنا بدء الهجوم في جبهة جديدة لم يكن يتوقع أحد أننا سنتنبه لها أو نتسرب إليها.
بعد انتهاء الدراسة كانت تبدأ فرق الرياضة الخاصة، وكان التلاميذ يخلعون سُترهم ويلقونها فوق الحشائش، وكنا نميز أصحاب السُّتر ونعرفهم واحدًا واحدًا ونعرف مقدمًا الذين يملكون والذين لا يملكون. وبدأنا الهجوم على السُّتر. في اليوم الأول سُترة واحدة وخرجنا بعدة قروش. وفي اليوم التالي تضاعف الإغراء وازداد عدد الضحايا وأخذ يتزايد باستمرار متمشيًا مع ازدياد شهوتنا في الحصول على طعام وحلوى ومع وعينا الجديد بقيمة النقود وما يمكن أن نحصل عليه بها.
لم نكن نحلم بأننا سنذهب يومًا إلى سينما المدينة، فذقنا لذة قَطع التذاكر وأصبحنا من رواد السينما الدائمين، وتعلمنا منها كيف يتمكن البطل بلكمات متوالية من القضاء على الخصم، وكيف يوقعه غدرًا، وبدأنا نقلد صرخات الهنود الحمر واشتركنا مع الآخرين في الحديث عن «شارلي شابلن» والشجيع والغوريلا الذي يضحك ويرقص ويأكل مثل الإنسان.
ومع ازدياد شرهنا في السطو على من يملكون وعددهم محدود لا يتغير، انفضحت الجريمة، واندلعت الثورة ضد اللصوص، وسمعنا الصرخات وهي تتعالى وتنتقل من التلاميذ إلى مدرس الرياضة ثم إلى الناظر، وتكرر المشهد الأول، ورص التلاميذ في فناء المدرسة لنستمع إلى الناظر وهو يتحدث بعبارات كلها غضب عن المجرمين والجبهة الجديدة التي فتحوها، وتكرر الوعيد والتهديد والحديث عن الأخلاق والدين والأرض والسماء.
لم ترهبنا تهديدات الناظر هذه المرة.. كنا نستمع إليه بلا حماس ونعرف مقدمًا قائمة العقوبات التي سيسردها. وكنت مثل رفاقي أفكر طوال حديثه في الأيام التي سنقضيها بلا حلوى وبلا سينما إلى أن نعثر على ميدان جديد لنشاطنا.


2

ما زلت أذكر بيتنا الصغير في ميت غمر حيث ولدت وأمضيت طفولتي - وكلما تذكرت هذا البيت وهذه الأيام عادت إلى نفسي المرارة وكواني الألم وازددت إيمانًا بأن بيني وبين ماضيَّ ثأرًا قديمًا لن يزول إلا إذا وثقت أن أطفالي وأطفال كل الناس لن يلقوا نفس المصير الذي لقيته.
ما زلت أذكر كمن يرى الصور الغامضة: ماكينة الخياطة التي كانت تدور في بيتنا طوال اليوم ومنظر أختي الكبيرة وجسدها الدقيق والعظام البارزة من وجنتيها وهي تعمل بلا توقف كالجواد الذي يلهبه سوط السائق؛ فمن ورائها سبعة أفواه تطلب الخبز.
ما زلت أذكر منظر أبي المريض، وأتخيله وهو راقد في مخدعه لا يبارحه طوال اليوم والليل، وما زلت أذكر صرخاته وهو يتأوه، وأرى الدموع تنهمر من عينيه كلما رآني أو رأى أحد إخوتي. كان قبل مرضه في غاية القوة والذكاء، لقد خلق نفسه من لا شيء وهجر قريته الصغيرة ونزح بأمي إلى المدينة حيث بدأ يعمل ويتاجر، وحيث شيد بعرقه هذا البيت - كان يحبنا حبًّا من نوع غريب، كان باستمرار يحدثنا عن البطولة والأبطال ويُدخل في عقولنا الصغيرة أننا لسنا ككل الأطفال - كان يجمعنا حوله ويقص علينا قصص رجال فقراء شقوا طريقهم وسط العواصف ووصلوا إلى القمة، وكان يرانا دائمًا في القمة. كان يتباهى بنا أمام أقاربنا وأمام زواره ويطلب من أخي الكبير ومني أحيانًا أن نقف ونخطب ونلقي الأناشيد ونردد الكلمات والجمل الإنجليزية التي تعلمناها والتي لم يكن يفهم منها حرفًا واحدًا. وكان قبل مرضه وكما تحكي لنا أمي لا يبخل علينا بشيء.
ومرض أبي فجأة ولا أدري كيف مرض ولا نوع مرضه ولكني كنت أرى الطبيب يزور بيتنا كل يوم تقريبًا، وكنت أرى أمي وهي تعد النقود في يده - وكنت أراها وهي تتململ وتبكي إذا لم تجد نقودًا تكفي - وكنت أرى زجاجات الدواء العديدة وهي تملأ سطح منضدة كبيرة في حجرة أبي - وكنت أرى أبي كالسجين يروح ويجيء في الحجرة ويحدث نفسه أحيانًا وينتهي حديثه كل مرة بدموع غزيرة تنهمر من عينيه وبرعشة حادة تصيب شفتيه وتدفع حمرة غريبة إلى وجهه.
ورأيته مرة - وكنا يومها نخزن القمح في بيتنا - يملأ كفه بحبات القمح، ويمد يده الفارغة إلى أمي ويناولها بيد ترتعش مرة حبة واحدة ويقول جنيه ومرة جنيهين ومرة عشرة ومرة عشرين، وفي كل مرة كان أبي والفرحة تضيء وجهه يحدد اسم الدائن ويطلب من أمي أن تسدده. وبعد أن انتهى أبي من سداد الديون رأيته وهو يمد يده بما تبقى من حبات القمح ويعطيها لأمي دفعة واحدة وهو يقول:
-       اصرفيها كلها على الأولاد. ادفعي لهم أقساط المدارس واشتري لهم طعامًا وملابس ولحمًا وحلوى.
ما زلت أذكر منظر أبي في ذلك اليوم، وما زلت أذكر أنه نام نومًا هادئًا عميقًا ودلائل السرور والطمأنينة تطفح من وجنتيه المحمرتين.
في تلك الأيام - أيام مرض أبي التي امتدت إلى سنتين - كنت أنا وإخوتي نلتف حوله وتنهمر الدموع من أعيننا حين نراه يبكي فيتحرك نحونا ويحتوينا الواحد بعد الآخر بين ذراعيه ويُقبلنا بشفاه غارقة في الدموع وهو يصيح: «أولادي أولادي». كان في لحظات بكائه يغمرنا بحب غريب شاذ - كان يطلب من كل منا أن يحمل إليه كتبه وكراساته فيتناولها بيده ويقلب صفحاتها ويتطلع إلى الصور والكلمات ثم يقربنا نحوه ويتطلع إلينا وبريق غريب ينبعث من عينيه ثم يطلب مني ومن أخي الكبير أن نَعِده بأننا لن نترك المدرسة ولن نتوقف عن تلقي العلم، ثم يحدثنا من جديد والدموع تجري على خديه وتلمع على الشعر الأسود البارز في صدره عن الصورة التي رسمها لكل منا - وكان دائمًا - وحتى في فترات النوبات التي تصيبه - يرانا في القمة.
وفي أيام أخرى كان أبي ينقلب إلى ثور هائج حين يسأل عنا ويعرف أننا خرجنا من البيت لنلهو مع الأطفال في الطريق أو على شاطئ النيل.. ما زلت أذكر الليلة التي عدت فيها أنا وأخي الكبير إلى البيت في ساعة متأخرة، وصمم أبي أن يصعد بنا إلى سطح البيت وبعصا غليظة أخذ يضربنا بلا وعي. وما زلت أذكر منظره - بعد أن تدخلت أمي وانتزعتنا من يديه - وهو يهبط درجات السلم خلفنا والدموع تنهمر من عينيه.
وفي ليلة أخرى اتهم أبي أمي بأنها لا تعتني بنظافتنا وصمم على أن يغسل أبداننا بيديه وأمر أمي أن تحضر الماء وطشت الغسيل وتضعهما في الصالة. ووقفنا عراة في برد الشتاء القارس وأخذ يصب الماء على أجسادنا ونحن نتلوى ونرتعد ونصرخ، ومرة ثانية انتزعتنا أمي من يديه.
وفي يوم آخر رأيت أبي هائجًا ينتقل من حجرة إلى أخرى ويجمع أكوام الملابس: ملابسي وملابس أمي وإخوتي. وطلب من أمي أن تحضر له الكبريت وزجاجة الجاز ليوقد فيها النار. كنا نقف حوله وننظر إليه وإلى كوم الملابس وكأننا في عالم آخر وكأنه ليس أبي بل انقلب إلى إنسان غريب، وحاولت أمي بالتوسلات وبالدموع أن توقفه فازداد إصراره وازدادت صيحاته ارتفاعًا وهددها بحرقها وحرق البيت. كانت أمي تتحاشى أن يثور وتتحاشى أن يرفع صوته وتحاول بكل وسيلة ألا يشعر الجيران بمرض أبي وبما يدور في بيتنا، ورأيتها وهي تناوله الكبريت ثم وهي تصب الجاز على كوم الملابس، ثم رأيت أبي وهو واقف بجوار شعلة النار يبتسم ويضحك ويقهقه، ثم رأيته من جديد والدخان الأبيض يحيط به ويكاد يخنقه، والنار تسري في القماش وتحيله إلى رماد أسود - رأيته يرتعد من أعماقه وتهتز شفتاه وكأنها أسنان تصطك من برد قارس وتنهمر من عينيه الدموع. وقادته أمي إلى مخدعه وظل ينتفض وهو يبكي.
كان أبي في آخر أيامه مجنونًا، ولم أكن أعرف هذه الحقيقة، ولم أكن أصدقها وما زلت أنكرها، لأن كل من عرفوا أبي حدثوني عن ذكائه الخارق وعن شخصيته القوية وعن نفوذه الكبير في مدينتنا الصغيرة. وأمي وجميع من حدثوني عن أبي ذكروا لي سبب مرضه وسبب وفاته. صدمة لم يقوَ على تحملها حين أصيبت تجارته بخسارة كبيرة وحين تطلع حوله فوجد نفسه عاجزًا عن تحقيق آماله الواسعة. آماله في مستقبل لأولاده لا يتوقف عند إتمام دراستهم في جامعات مصر بل يتعداه إلى إرسالهم في بعثات إلى الخارج. هكذا حدثنا أبي ووعدنا مرارًا.. ومرض ومات وهو يرى أحلامه تنهار وهو موقن أن أولاده لن يلقوا في حياتهم إلا الشقاء والحرمان والضياع.

09 October 2015

بدر الديب: إجازة تفرغ



بدر الديب
إجازة تفرغ

2
ما أضعف الإنسان وما أسذجه، هل هكذا يصنع المرء حياته؟ لقد ضيع حياته، أكثر من أربعين سنة في صراع غريب متصل لا ينقطع لصناعة الفن ومحاولات دائمة متصلة لا تنقطع أيضًا لتوفير النقود التي تسمح له برد عادية الأهل والمجتمع وطلبات الحياة الأولى، هل كان ذلك كله مغالطة أو غلطًا في البداية ومنها؟ إنه لم يحقق الكثير من الفن، لكن ما يريد تحقيقه ما زال كثيرًا، وما أنجزه بالفعل لا يفقد قيمته. إن ما وضعه بالفعل في كل عمل من أعمال النحت التي انتهى منها بمثابة قطع كبيرة عزيزة من حياته، وكأنها مثل الذكريات مدفونة، كالكنوز التي تحتاج إلى فتح وسيطرة على الطلسم.
إنه لم يأت هنا ليسترجع حصاد حياته وأعماله. لقد جاء ليعمل، لكنه على الرغم من البيت وعلى الرغم من التفرغ ما زال لم يستطع أن ينتزع من روحه إلا هذا العمل الرابض عند البحر. إن أحدًا لم يره بعد، ولا يظن أن أحدًا سيراه كما صنعه.
هل يمكن أن تمر وتنقضي إجازة التفرغ وهو ينظر فقط فيما كان يعمله وهو غير متفرغ؟ لقد مرت السنون وهو مستطيع أن يضمن هذه القشرة الهشة من الراحة لحياته، وأن يعطيها مظهر الاستقامة والهدوء. لكن ما أقل هذا القدر من المادة الذي حققه، لقد كان دائمًا قليلًا عابرًا، ومع ذلك كان عليه دائمًا أن يجاهد للاحتفاظ به. لكن ألم يضحِّ بفنه من أجل القليل، هذه القشرة؟ إن وعود الفن في روحه منكوثة مبددة قد تبعثرت في أيام كثيرة نتيجة لعدم التركيز والتفرغ والتوجه المتواصل للعمل. هل هذا صحيح؟ أم أنه في الحقيقة محدود القدرة نزر الإبداع، وليس له أن يعتذر بأنه انشغل دائمًا عن فنه ولم يتفرغ له؟
ما أفرغ فؤاده الآن! إنه لا يعرف هل القلق هو الذي يسبب الفراغ أم الفراغ هو الذي يسمح للقلق أن يقوم؟ في هذا التقلقل وهذه الحيرة مع نفسه وما يعمل بها، يبدأ القلق وتتواجد حوله، كالعفاريت الصغيرة، الأفكار والاتهامات لنفسه وللناس.
وإذا فرغ من اتهام نفسه اتجه للناس، والناس معنى غريب عام لا يعرف كيف يتعامل معه إلا في ظواهر عامة، في تاريخ، في خصائص حضارة، هل هذا ما تعلمه من تاريخ الفن الذي درسه وانشغل به سنوات من عمره أم هو مرة أخرى عجز طبيعي في النفس عن معاشرة الناس والتعرف عليهم والتصرف في طرقاتهم والقدرة على أن يصبح واحدًا منهم؟
إنه يعرف أن كل هذه الأفكار وهذه الاتهامات، وكأنها ضجة تسكت تمامًا عندما يعمل، عندما يمتلكه العمل ويحس أن أجزاءه تتصنع أمامه. لكنه الآن لا يعمل، ولا يعرف ماذا يعمل بنفسه. إنه يتحرك من البيت، ويخرج إلى البحر، ويسمع تلاطم الموج على الشاطئ، ويحس أن الحركة والموج كلها اتهامات في داخله، كلها أفكار فراغ وقلق.
يجب أن يتهم نفسه. إنه يحسب نفسه دائمًا فريدًا. لكن ليس التفرد ميزة، بل هو ما يعانيه وهو يعمل. إن أحدًا ليس مثله، لكن الحقيقي أن عمله في جزئياته لا مثيل له. كل جزء لا مثيل له وهو يتكامل، وهو يصبح واحدًا. هذه التجربة التي يعرفها، ويعرف تفاصيلها هي التي تجعله يحس بالتفرد. فليس هناك من يعمل مثله. هل هناك من يعمل وهو يحس أن هناك ضرورات في لحظات العمل ومادته وتشكله لا يستطيع إلا أن يخضع لها، وهل الخاضع الراضخ المتقبل المنتظر متفرد متعال صعب؟
إن أحدًا من «المتفرجين» على أعماله «المتكلمين» عنها لم يلحظ أو يدرك أو يستخرج أي ضرورة من الضرورات التي مرت عليه وهو يعمل. لكن أليس ما يطلبه مستحيلًا؟ هل يستطيع أي متلقٍّ أن يدرك ضرورات الفن؟ إن كل ضرورة لحظة حرجة تتلاشى في ضرورة أكبر حتى ينتهي العمل ويصبح فعلًا بلا ضرورة إلا وجوده. لماذا ينتظر الناس ما لا يستطيع هو أن يقدمه لنفسه؟ إنه يعرف بالتفصيل ماذا فعل في كل عمل لكنه لا يستطيع أن يسرده أو أن يرتبه للناس متحدثًا عنه. فالعمل وحده هو الذي يحتوي كل شيء، ولا يمكن أن يضاف عليه شيء من الخارج، حتى وصفه تحوير له وانحدار به.
أهذا هو السبب في أنه يحس أن الناس يفتعلون الإعجاب والفهم لما يصنع وكأنهم بما يقولون يزيحونه، هو والعمل، ليفرغوا لشيء آخر؟ إن بينه وبينهم دائمًا هذا الأدب العابر الذي يجعله فنانًا صعبًا وجادًّا، لكنه غير مريح وغير مستجيب تمامًا لما هو مطلوب منه أو منتظر. هل المطلوب منه أن يخرج أعمالًا ينشغل بها الناس ويتحدثون عنها كما يتحدثون عن مشاكلهم اليومية أو يصفقون لها كما يصفقون للكرة؟ هل يمكن أن يكون هذا شرطًا للفن؟
لو عرفوا عذاب الخط أو وجع الشكل، لو ذاقوا هذا الألم أو وعوا به لما تحدثوا أبدًا عن الفن. لكنهم يغفلون الفن بعازل من المعاني والقيم يسمونه «رسالته». وفي هذه الأرض البور التي لا تنتج عملًا يزرعون كلامًا مكرورًا لا يمنح ثمرًا ولا ظلًّا عن أثر الفن وفائدته ودوره في التعبير عن الجماهير. إن الفن فعل فاعل وليس تعبيرًا. وإنه يحس الغضب والفرح والحب والرغبة في التحطيم والرهبة والخشوع والأمل والرجاء، لكنه لا يعبر عن شيء من ذلك في فنه لأن التعبير ليس فنًّا لكنه تعبير، عبور لما هو قائم، وهو يريد أن يصل إلى أن يكون العمل قائمًا وليس معبورًا. ثم كيف يمكن للفن أن يكون تعبيرًا عن الأمة والجماهير؟ إن الأمة والناس قد تستطيع أن تستعمله للتعبير عن نفسها وبذلك فقط يمكن أن يكون تعبيرًا عنها، أما أن يبدأ بالتعبير عنها فهذا مستحيل.
لو يستطيع أن يقضي في أذهان الناس على فكرة المحاكاة، وأن يضع محلها الفعل. المحاكاة كلام على الفن استحدثه النقاد، كلام يحاولون به النفاذ إلى أسرار العمل التي لا يمكن أن ينتهي سرها أو يفض تمامًا منذ الأزل.
والفن لا يحاكي لكنه يستعمل الواقع ليفعل، ليفعل فعلًا مستقلًّا منعزلًا، له وجوده الخاص. وليس التاريخ الجديد للفن إلا محاولات متكررة لتأكيد ذلك. كل تلك اللوحات القديمة، كل تلك التماثيل، لم تكن تحاكي، كانت تنتهي عند نفسها حتى لو وضع الفنان أمامه نموذجًا، موديلًا أو منظرًا يحاول أن يمسك به. فإذا ما أمسك به يصبح شيئًا آخر قائمًا في مادة اللوحة أو التمثال له زمانه ومكانه، وله مادة وجوده ونبض هذا الوجود. فليس هناك فن تمثيلي وفن غير تمثيلي. أنا طول عملي في مكان، ولا يمكن أن أكون في زمان أبدًا.
مد رجله وهو جالس ينظر حوله في «الأتيليه» إلى الألواح الفارغة التي أعدها، وإلى الألوان وقطع الحجر التي جمعها طوال حياته ليعمل فيها. كم كلفته؟ كل ما يملك. دائمًا ما يملك تستنفده مادة الفن. يصنع به مكانًا للعمل. هل هذا ما يعنيه بأنه لا يعيش في زمن أو بزمن؟ الابن زمن والزوج زمن والموطن زمن والسياسي المذهبي زمن ومدعو الرسالات زمن والقوال للمعاني والوضاع للقيم زمن، فقط الفنان مكان. وفارق كبير بين أن يكون المرء في مكان وبين أن يمر عليه زمان. شروط المكان متماثلة داخله في الذات، وليس على الذات لتحقق ذلك إلا أن تظل فيها. أما شروط الزمان فكلها خارجة عن الذات، ولا يمكن أن تكون منها، فإذا أصبح الزمان ذاتيًّا صار مكانًا، أما المكان فهو دائمًا ذاتي. موضوعية الفن من موضوعية المكان هي دائمًا وجود، أما الزمان فلا موضوعية واحدة له، لأنه متعدد تفرضه عوامل خارجية. هذه العوامل قد تكون اجتماعية، أليس كذلك، علاقات وأوضاعًا، وقد تكون ما يسمونه إيديولوجية، مذهبًا ورأيًا ومصلحة كلها زمان حتى ولو دامت عصورًا، أما الوجود فمكان متلاحق، وليس الزمان إلا تلاحق المكان وإلا كان عدمًا. فلنقسم المكان إلى عوامل أو عناصر، ومهما قسمنا فإنها جميعًا تستوعب في وجود واحد، وهو وجود الذات في المكان، أي ذات. أما الزمان فلا يمكن أن تستوعبه الذات، أي لا يمكن أن تكونه. ليس هناك ذات هي زمان. المجرد، المجرد في ذاته زمان. ومهما بالغنا في التجريد لا نخرج من أسر الزمان. أما المكان فهو دائمًا خلاص الإنسان وغاية وجوده، ولذلك هنالك جلجثة وهناك كعبة وهناك موقع للمعجزة. أما زمن كل ذلك فهو مرفوع. ولو لم نرفع زمن المعجزة لم تعد معجزة. القرآن نفسه كمعجزة مكان. كل أعمالي وكل ما خرج عني من فن مكان، هو حولي، هو أنا وأنا لا أريد أن أدافع عن نفسي أو أن أبررها، وعليَّ أن أقبل هذا الطريق وهذا التفرغ الذي لا ينتهي في داخلي لما أريد أن أتوجه إليه من عمل.
هل بعد هذا يمكن أن أعبر، أن أقول ما يريدون مني أن أقوله؟ أن أكون موصوفًا بعامل من عوامل الزمن، ثوريًّا، تقدميًّا، رجعيًّا أو حتى سورياليًّا أو تجريديًّا؟ عندما أعمل لا أكون ابنًا ولا زوجًا ولا حتى رجلًا وإن امتلأت بالرغبة والشهوة للجسد.
وسمع الطرق الذي كان يتوقعه على الباب الخارجي الخشبي للمنزل، إنه يعرف أن مندوب مكتب المجلة سيحضر الليلة ليحمل ما قد يكون أنجزه من أعمال، لكن ليس عنده شيء يعطيه. بل ما زالت نفسه في وحدته لا تريد أن تترك مكانها لتفتح. إنه يتصور القادم. يتصور دخوله ويواصل دفاعه عن فنه: لو قلت له «ادخل» فأنا أصنع فنًّا. قد لا أكون عبرت تعبيرًا كاملًا، ولكنني صنعت عملًا تصورته. إنه لن يتحقق أبدًا كما تصورته، وهذا هو الحال دائمًا في أي عمل. لكن جانبًا كبيرًا مما سيقع قد تم تصوري له. قد تم الإعداد له. إنه سيدخل إلى المكان وأنا أعرفه أو لا أعرفه. وهو سيغير من المكان على نحو أعرفه مقدمًا أو لا أعرفه. لكن عندما يقع ما يقع ستجعله معرفتي اللاحقة به كأنه كان متوقعًا. أليس هكذا أعمل؟ حتى الضوء الذي سيقع عليه وهو داخل، وحتى تغير مواضع الأشياء بدخوله، هذا سيكون أقرب منه وسيكون أبعد.. كل هذا فن.. وعمل.
لا أحد يعبر أبدًا، كل واحد يشكل، يصنع شيئًا آخر، كل الناس لا يعرفون أنهم فنانون أشقياء، فنانون رغمًا عنهم. لو عرفوا ذلك على الأقل لازدادوا صدقًا. ما أكثر الأعمال الفنية المتواضعة التي يصنعها الناس وهم لا يدرون!
- ادخل.
- لا. أنا آسف. لم أنته من شيء.
وخرج مندوب المجلة كما جاء لا يحمل أعمالًا.. لكنه بالضرورة قد ترك فنًّا.
ماذا يفعل إذن في هذا الخلاء؟ هل هناك مسؤولية عنه، هل له مصدر، تاريخ، أم هو يقع، يحل فجأة وكأنه لعنة أو احتدام شمس أو انفساح الصحراء فجأة بعد خضرة الوادي؟ إنه وحده في الغرفة مع كل أدواته، لكنه يحس أنه مجرد داخل خال. ما أغرب «لاندسكاب» النفس البلقع! لا بد أن يكون هناك طريق في هذا الخلاء. أصفر الرمل ملقى في روحه على مسافات ممتدة واسعة لكنه حار محتدم ملتهب بشمس غير مرئية، واللون كأنه بخار، فقط مضيء متخابث عليه، لا يمكن له أن يمسكه. مفروض عليه فقط أن يراه. لو يستطيع أن يرسم فوق الرمل آثار أقدام لتملكه.
ومع المعنى تذكر صاحب «فاوست»: لو أمسك الفنان بموضوع ما لم يعد هذا الموضوع من الطبيعة. لكنه لا يستطيع أن يمسك بشيء، يداه قابعتان إلى جانبه وكأنهما مقيدتان أو مضروبتان بشلل، وجلسته على المقعد تزعجه، وكأن المقعد يربطه للخلاء الذي بداخله. نزل على الأرض وأقعى تحت الحامل ولم تتحرك روحه للزيت أو الألوان المائية، إن الفرشاة والسكين لا تزيحان الخلاء. لن يقطعه إلا الإزميل والمطرقة في الحجر ويخلص من الخلاء. لكن كيف يحصل الآن على الحجر، على الجرانيت، على الرخام من أسوان أو كرارة؟
(((... أخي محمود.. أرجو أن تكون قد وصلتك الحوالة البريدية التي أرسلتها وأن تكون قد استطعت ترتيب القطع التي طلبتها وأنها الآن على مركب في النيل.. إني أعيش في خلاء قاطع وأريد أن أعمل... حتى الطين الذي حملته معي من القاهرة إلى البيت هنا في الإسكندرية لا يدفعني للعمل. إنني أحركه بين أصابعي وأدعه يتسرب كما هو دون أن تتحرك في نفسي أي رغبة لعجنه.. أريد أن أنحت، أنحت بيدي. وكل ما أملك تقريبًا وضعته في شيك وأرسلته لـ«برتيني» في «تورينو».. لكنك طبعًا تعرف كم يستغرق ذلك من وقت.. قد يصبح شهورًا طويلة وقد تنتهي إجازة التفرغ اللعينة التي أخذتها بكل صعوبة قبل أن يصلني شيء.. والآن ماذا تريدني أن أفعل؟ هل سأكتب لك مرة أخرى؟ قد تستطيع أنت أن تكتب مرة. قل لي وسأحاول إذا كنت بحاجة إلى نقود أكثر.. أعلم أنك كنت تفضل أن آتي أنا إلى أسوان وأن أرتب هذه الأمور معك من هناك، لكنك لا تعلم كيف تملكني هذا البيت هنا في الإسكندرية والأرض من حوله. لو نستطيع أن ننحت في الملح أو في الأرض الملونة من حوله! لكني أتوقع زيارتك وأؤكد لك أنك ستقضي أوقاتًا ممتعة هنا على البحر.. إنني أرجوك.. أتوسل إليك أن تخبرني ماذا فعلت ومتى يمكنني أن أتسلم القطع.. مرة أخرى اكتب.. أرجوك.)))
هل يخرج ليلقي بالخطاب إلى صديقه في أسوان أم ينتظر حتى الصباح؟ إنه يلقي بالخطاب إلى جواره مستشعرًا أن كل اتصال لن يؤدي إلى شيء، على الأقل لن يؤدي إلى شيء مباشر، وأنه يكذب على نفسه في محاولته الخروج من هذا البلقع القائم في نفسه. هذا الصندوق الورقي فيه كل أوراقه. أوراق كثيرة متجمعة. خطابات وحسابات طفيفة وصور ورسوم واسكتشات على أوراق عارضة ودواوين صغيرة من الشعر.. مجلدات «دانتي» ومجلدان من ألف ليلة وليلة. وكلها قد تآكلت أوراقها، وأظرف، أظرف كثيرة مليئة بالصور الشخصية وصور اللوحات.. مد يديه وبأصابعه حرك الأوراق وحملها وجعلها تتساقط من جديد في الصندوق من غير ترتيب. وكأنما أراد أن يمتحن صدق ما قاله في الخطاب فقام إلى جوالات الطين الأسواني ووضع أصابعه، وأخرجها قابضة على حفنة من الطين، وظل ينظر إلى نفسه، وهو يراها تتسرب ساقطة من بين أصابعه إلى الكيس من جديد دون أن تحرك في أصابعه رغبة التشكيل.. إنه يضغط على أطراف الأصابع، ويحس ما في الأنامل من قدرة، لكنه لا يستطيع أن يدفعها للحركة أو العمل.
لم يعد إلا أن يخرج بعض اللوحات القديمة أو أن ينظر إلى بعض أعماله المعدة للصب. لكنه لا يريد هذا، بل هذا بالضبط ما لا يريده. إنه يريد أن يخرج عن نفسه، عما عمله من قبل ولا يريد أن يعود إليه. آخر ما صنعه هو هذا التمثال الموضوع الآن عند البحر في نهاية السلم، لكنه كأنما يخشى منه، ومن الذهاب إليه.
راح ينفض آثار الطين من أصابعه، وهو يتحسس أطرافها، ويضغط على طرف كل أصبع بأصبع من اليد الأخرى، وبالإبهام وحده على أطراف أصابع كل يد. أنامله تلك، هذه الوسادات التي يحملها مليئة بالإحساس فيها الآلاف المؤلفة من الأطراف العصبية التي تستشعر الطين والشكل والخط والانحناء، لكنها الآن مجرد قدرة لا يستطيع إلا أن ينفضها فقط مع ذرات الطين المحمر.
ودار في الحجرة، خطوات متكررة يريد أن يعرف ماذا يستطيع أن يعمل بنفسه وبهذا الداخل الفارغ. إنه يلوك في داخله شيئًا، عصيًّا كلحم الجمال. هذا هو الواقع المطروح عليه قد تلبسه وداخله كالشياطين. ما هذا القلق الجاف الحارق الذي يملأ بدنه، ويجعله يدور كالدوخان من الزمن؟ إنه يعرف هذا الطغيان المفاجئ للزمن عندما يستديم في داخله، فتتوقف كل قدراته على العمل ويجعله ينظر إلى ذرات متعاقبة من العدم هي اللحظات التي لا يستطيع أن يخلص منها أو أن يخرج منها، ولا يستطيع أن يعلق نفسه بشيء يستنقذه منها. في هذه اللحظات لا يحتمل المقعد، ولا يصبر على أن يجلس على الأرض، أو أن يقع أو ينام، عليه أن يدور، أن يخطو وأن يدور في المكان الواحد، وقد استحال إلى زمن ضاغط جبار لا فكاك منه. بأي شيء يتعلق، وإلى أي شيء يمد يده ليمسك به؟ وقام يدور في الحجرة كأنه حيوان يتحسس جدران قفصه.
لقد وقع كنيزك في صحراء. لا روعة لضوئه وحرارته تجمد وتبرد مع ليل الرمل. يتجمد الفنان وينعزل في لحظات تجرده من فنه. وقدراته نفسها قد أصبحت هي جدران القفص التي تصدمه. إن اللحظة المستديمة تمتد حوله، وكأنها فعلًا صحراء وهو في وسطها مغلق عليه إلا من تلك القضبان التي يرى من خلالها بلقع الروح. كم هي مركبة تلك الصورة التي يتخيلها لنفسه. نسر عجوز في قفص ضيق ملقى في صحراء. لماذا حدث هذا ومتى حدث؟ هناك رمال في أظافره وعلى شفتيه، وجناحاه في الذراعين واليدان مثقلان تتسرب منهما رمال لا تنقطع. أين هذه الصورة من لوحاته المضيئة بالأصفر ودرجات الأزرق وخطوط البني الدافئ؟ أين راحت خيوط النجوم وتحامل المساحات الملونة بعضها على بعض وتحركها جميعًا لتصنع لوحاته التي يراها نابضة حية في داخله قبل أن تكتمل ويحسها، تدفعها دفعًا للعمل والسير، كأنما في طريق له حدود مرسومة يكتشفها مع العمل. أين هذه اللحظات؟ أين راحت؟ وماذا يفعل ليستردها؟
لقد طال هذا الانغلاق واستمر أيامًا متلاحقة، يومًا وراء يوم. كان يظنه في أول الأمر كسلًا وطلبًا للراحة فنام. وكان يرده في ساعات للجوع أو الوحدة فيخرج إلى المدينة لكنه يعود، وكأنما كان تائهًا. وقد ذهب أكثر من مرة إلى مكتب المجلة ليحادث أناسًا وأفرادًا وليسألهم ويسألوه، وليتشكل أمامهم في محاولات الإجابة، لكنه كان يراهم جميعًا كتلًا ومساحات ميتة لا حركة فيها ولا لون، كأن عليه أن يعمل فيهم كي يصبحوا بشرًا أو أحياء أو ذوات معنى. وضحك من «ذوات المعنى» و«ذوات الأربع» وأحس أن البهائم برباعيتها أكثر التزامًا وحرصًا على نفسها من البشر الذين يراهم، وتخوَّف من قسوته عليهم، ومن تلك اللعنة التي يراها فيهم أو يفرضها عليهم، وعاوده الإحساس بأن كبرياءه يدفع ثمنها غاليًا، وأنه كمن ارتكب إثمًا عميقًا يغير الطبيعة، ويسحر البشر مسوخًا صغيرة تتحرك فيها أعين وأيد قصيرة لا ترى ولا تمسك بشيء.
كيف يعاود ممارسة قدراته؟ كيف يحرك أجنحته؟ كيف يحجب عن الخارج وعن البشر لعنة عينيه التي تسخط كل شيء وتجمده؟ كيف ينفذ وراء قفصه وكيف يمد في الصحراء طرقًا نافذة؟
إن لديه زجاجات نبيذ و«روم» فهل يشرب؟ لكنها لا تؤدي إلا إلى أن ينام وهو يريد أن يعالج هذا الحجاب المفروض الملقى على الرؤية في روحه، وأن يستعيد لعينيه طراوتهما السيالة التي تغير وتجرف الشكل المرئي حتى يستقر على اللوحة لونًا وتناغم مساحات. هل ما ينقصه هو الموضوع؟ لقد واجه هذه الواقعة أكثر من مرة. واقعة التحدث أو البحث عن موضوع، لكنه لم يكن يسعى أبدًا إلى موضوع، بمعنى شيء يرسمه ويضعه في التمثال، من الحجر أو الطين. إنه لا يعرف هذا الانشغال بالتصوير، بالوضع لشيء له معنى أو قصة أو رمز. كل هذا كان يصاحب العمل، كان يتدرج مع التنفيذ، كان ينضج مع الخطوط ودرجات اللون. كان يتحرك كالخضرة السيالة في سيقان النبات أو كالأبيض والأحمر والأصفر والبرتقالي والأزرق والأسود والبني في خدود الزهر وريش الطيور ومنحنيات الحجر. كان المعنى والقصة والموضوع دائمًا في الشكل المتحقق، في هذا التوازن المعجز والتداخل الحميم بين المساحة واللون، بين تركيب الحجم والحركة الممسوكة فيه.
فلماذا يحس الآن أنه يريد موضوعًا؟ هل هذا جزء من العقاب على كبريائه، على ما يعرفه في نفسه من «هوبريس»؟
يسقط المرء دائمًا ويهوي من «الهوبريس»، بل قد يذبح، وأنا عشته طول حياتي، أليس كذلك؟ هل أنا بهذا الوعي أستبقي اللعنة، أديم العقاب أم أحاول الخلاص والنفاذ والعودة.. العودة إلى ماذا؟
أنا أريد العودة إلى فني، إلى اللوحة. نعم اللوحة أكثر من النحت، لأنني أحس نفسي مجرحًا مضيقًا على موضوع تحت حكم هو من داخلي وحدي، لا تعامل معه ولا دفاع ولا تسامح أو رأفة. هل كل ما في الحياة غير هذا الموقف من الاتهام ثرثرة وهراء؟ هل كل البشر نُصُب منخوبة خاوية؟ هل كل وعود الحياة تحقيق مكذوب مجرد من البلوغ، لأن كل ما تدركه هو ثمرات الزمن يبلغها العفن مع النضج، وتسقطها رياح الوصول؟
أنا لم أطمع في حياتي في غير الفن. لم أسعَ لمال ولم أشته شهرة أو منصبًا. فكل حياة غير الفن، كانت بالنسبة لي موضعًا للتلخيص والإيجاز. فهل هذا نفسه هو نفس خطيئتي؟ لقد بعت أعمالًا وغادرتني وتسربت أموالها في بالوعة الزمن وأعرف أن لوحات وتماثيل صغيرة وكبيرة تقف الآن معروضة في الصالات المظلمة بالليل في متاحف متناثرة تجفوها عيون البشر، أو تلقاها حسب الظروف والأوقات. ولي سرب طويل من النساء دخلت أجسادهن، ولا أكاد أذكر عنهن الآن إلا ما أمسكت به من ضوء أو لون أو حركة لم تصورهن أو تنقلهن أو تبقيهن، بل حولتهن جميعًا وكأنما أُكلن. قد يكون سرب النساء هو أصعب ما يلخص أو يوجز، لكنهن مع ذلك لم يكنَّ إلا لحظات ومضت وأقوى منهن جميعًا وميض النجوم. أنا لا أنكر زوجتي سميحة ولا أمي ولا هذا الحب الطويل المجنون في إيطاليا، زوجة «برتيني»، «لويزا». لكن أين هذا الثالوث الآن؟ هل كن ثلاثتهن موضع الخطيئة، والمرقد الذي ولد فيه العقاب؟ هل هن القادمات الآن كـ«الفيوريز» ليأكلن قدرتي؟ هل شعورهن الآن هي قضبان قفص، هل لهن عيون تلعن وأيد تسحب من أناملي حس الإمساك بالفرشاة؟ ليس من ثلاثتهن من لم تكن شخصية يمكن أن تصفها وأن توجزها وأن تلخصها. الحكاية عنهن هي كذلك. لقد أخذن من روحي، أكلن من حياتي أيامًا وساعات، وصنعن ضنى ووجعًا، وحركن اشتياقًا وألمًا. فهل كن هن الشخصيات أم أن ما تسرب مني فيهن هو الذي جعلهن كذلك؟
إنني أعرف خطيئتي، وها أنا أكررها بهذه الأفكار والصيغات. لكن أليس هذا هو الواقع والحق؟ هل أدخل معهن في معركة لأسترد حقي في العمل؟ أليس هذا الصراع نفسه تكرارًا للخطيئة واستمرارًا فيها؟ إنهن جميعًا خفيات الآن. «لويزا» هي التي ما زالت وحدها تضرب طُرقات «تورينو» تدخل حوانيتها كأنها جدي صغير أو غزال حر، وبيني وبينها سنوات وزمن ووطأة، إنها ماض لا يسترجع إلا بالذكرى. وسميحة وأمي صفية. طفولتي وزواجي وتعليمي وعملي وحياتي قبل اكتمال خطيئتي. كل منهن اختارت وقررت أن تموت. ولكل منهن لحظة في مستشفى انتزعن فيها أنفسهن مني، وتركنني وكأنما أردن ذلك أو عاقبنني به. لقد بلغت سميحة خفاءها وهي تلد، ومضت وابنتها معها. وعود يبلغها العفن مع النضج، ويحيلها الزمن أجسادًا تطلب المواراة وتترك الأيدي فارغة. وسارت أمي في طريق المرض بالإرادة تذوي مع اليوم الذي يمر، وتشعرني كل يوم أن كل ما أحققه هو تقرير للاستغناء عنها، وتبرير لها كي ترحل.
لقد أصبحن وراء كل استعادة، فماذا أفعل لأمسح ما ارتكبت معهن أو لأمسح عن وجوههن غضب التعقب لي والرغبة في مص دمي؟
أنا وحدي الآن بلا قدرة على العمل وغولاتي الثلاث في الحجرة على حوامل لوحاتي، وفوق اللوح الخشبي العريض الذي أضع عليه الطين الذي أريد أن أعمل عليه، وعند أقدامي على الأرض صندوق الأوراق والصور والكتب والخطابات الذي أريد لو أسخط نفسي إلى مجرد شيء فيه.
أحيانًا تتحرك الصور محددة لكل منها لحظة موقوتة، وتنطفئ كأنها لوحات تصدرها آلة عرض، ومعها الصوت الخفيض، تلك التكة التي تغيرها. وأحيانًا تسيل من أطرافها السفلى أو العليا وتندلق كاللون أو كالدم من فم رجل مذبوح. وأحيانًا لا تكون هناك صور بل جمل أقولها أنا أو أسمعها، حوار مقطوع مبتور يقف بمفرده وكأنه أسلاك في الهواء. ثم تحل ظلمة، ظلمة طويلة كسراديب لا تنتهي ليس فيها خطو، لكن تحرك كتلة ثقيلة، معنى مغطى بمعطف ثقيل. وفوق ذلك كله قد تنطق قطع طويلة من موسيقى مسموعة مصاغة وكأنما أعرف أن أكررها، وأنا طبعًا لا أستطيع لو فتحت فمي، وأحيانًا أتعرف فيها على «بيتهوفن»، «برامز»، وأحيانًا «باخ» أو «شوبرت»، بل و«شوبان». لوحات الكبار وألوانهم تبرق في رأسي فعلًا كالبرق ولا أمسك فيها إلا ألوانًا ثنية لـ«فلاسكيز» أو «تينتوريتو»، لكن «دا فنشي» يجيء دائمًا بوجوه أو خضرة شجر أو ماء. أحيانًا أفزع من عيون «جويا» ووجوهه وأتقدم وأستاف في خيول «دولاكروا». وفي لحظات تقوى في رأسي بقع اللون الإيطالية «الماكيا» (macchia) أو نقط الأخضر والأزرق والأصفر في انطباعيات الضوء.
ماذا يعني هذا كله؟ ومتى ينتهي؟ ومتى يجيء الوقت الآخر الذي أعمل فيه؟ أليست هناك فائدة؟ هل سأظل هكذا على الكنبة راقدًا؟ لقد جررت صندوقي الورقي المليء بكل هذه الأوراق والصور والخطابات وبقية فتات الحياة. أدب يدي وأنا نائم وأخرج شيئًا. معظم ما يخرج في يدي، مرة وراء مرة، أوراق معارض «ميونيخ»، بينالي في الإسكندرية، «هامبورج»، «هيوستون»، دليل ممزق قديم لباريس وأول أدلتي في «تورينو». كل ما يشدني الآن التاريخ، 1959. هل للتاريخ معنى؟ طبعًا معناه البسيط الوحيد الأولي أنها السنة التي وصلت فيها «تورينو» أولى رحلاتي وسنوات الدراسة. لماذا لا تكون «لويزا» و«برتيني» بعد ذلك هما الصور التي تلعب في رأسي؟ كأنني أسقطهما وأنا أسقط الدليل في الصندوق، وأستدير على جنبي لأبعد يدي، لكني أعود مرة أخرى وأمد هذه اليد، هذه اليد البغيضة لي الآن التي لا تريد أن تتحرك، أن تقوم لتمسك بالفرش. إن ما يثقل عليَّ هو هذا الإحساس بالخطيئة، هذا الشعور بالعقاب، وكأنما أريد أن أجد له سببًا.
في الساعة الرابعة بعد الظهر، في الحر وأنا أتصبب عرقًا وأرتدي بدلة. على ممر المستشفى هدوء وصمت، وأنا في الطرف الآخر على المقاعد، وأمي تخرج من الغرفة ووراءها الطبيب. وأنا أتحرك بسرعة إليها دون أن أريد حتى أن أفعل ذلك، أتلبس موقفًا أريد أن أعرف، أريد أن أنتهي، أريد أن يقع ما وقع لأن انتظاره ثقيل، لأن شيئًا ما فيه سيغيرني سيدفعني إلى حرية أخرى، إلى قطع، إلى بتر كأنني أريده. ولست بالطبع على هذه الدرجة من القسوة والفظاعة. لقد حاولت البكاء لكنني لم أستطع. أمي قالت: «تعيش أنت يا حسن»، والطبيب قال شيئًا معناه «البقية في حياتك»، جملة مضغوطة الآن تتراكب فيها الكلمات، لكنها تعني أن البنت، فقد كانت بنتًا، هي أيضًا... يد أمي على ذراعي تضغط وكأنها لا تريد أن تبكي أمامي، ثم تدلف مرة أخرى إلى الغرفة لتكون وحدها معهن.. ماذا فعلت بعد ذلك؟ أنا لا أدري ولا أستطيع أن أذكر. إنني أذكر فقط أنني نقلت - متى لا أدري - تقرير المستشفى بالحرارة والضغط واسم التسمم المائي واختناق المشيمة.. وكلمات أخرى وسطور وخط قبيح صعب لا يُقرأ. أين هو الآن؟ ألا يكون في صندوق آخر أم هو أيضًا هنا؟ أنا لا أريد أن أبحث ولا قيمة للبحث. فعلى الرغم من كل هذا النسيان أنا أذكر، أذكر كل شيء.
ليست هذه أول مرة أذكرها. أنا كنت أريد أن أسميها «منى»، وكانت أمي تريد أن تسميها «حميدة» على اسم أمها، و«عبد السلام» إذا كانت ولدًا على اسم أبي. ولم يكن لسميحة رأي، وكأنها كانت تعرف. ما هذه الأفكار السخيفة المكرورة؟
لكن الصورة في عيني الآن لو أنها كبرت، لماذا إحدى فتيات «مادونا الصخور»، تلك ذات الشعر الأجعد الكثيف، وهذا الميل بالرأس وكأنه لتحديد منتصف اللوحة؟ هل كان يمكن أن تكون منى كذلك؟ لقد تلقيت العزاء كما أتلقى كلمات الناس عن لوحاتي وأعمالي. شيء ناقص لا قيمة له، غير موجه لي لكنه محاولات للتشكل منهم تستحق المراقبة والنظر.
أمي أخذتني في حضنها بالليل، وظلت يقظى وهي تحاول أن تدفعني للنوم. كم مرة فعلت هذا في حياتي وأنا طفل! رأسي على صدرها المليء الضخم ورائحة المسك منها والثياب السود القديمة حتى ولو كانت قطيفة وعندما ترفع ذراعها لتضمني أرى شبه البياض من العرق الجاف.
وأقوم وأضع الصندوق بين قدمي لأبحث عن صور طفولتي وكأنها طريق خلاص. هناك صور لي بقميص مثل البلوزة المشجرة، وبنطلون ضيق على فخذيَّ السمينتين، إنني لا أجدها لكنني أراها وأعرفها. ومرة أخرى أحس الرمل في فمي ويدي وأرقد من جديد لأرى الطفل يمشي في الصحراء على أطراف حلوان إلى جانب جده الطويل الصامت بجلبابه الأبيض وبُلغته الحمراء المتسخة.
لست أدري كيف تبقى في ذاكرتي من ذاكرة الطفل هذا الإحساس والمعرفة بالقصر، بالضؤولة، جانب هذا القوام الطويل الممشوق في الجلباب الأبيض يمس يدي أحيانًا، ويجذبها نحوه لأصاحب خطواته، وفي معظم الوقت يتركني إلى جانبه كأنني إضافة مفروغ منها مقررة. حجمي حينذاك في ذاكرتي الآن يحوم حول بدني الراقد حول الكنبة، وكأنه سحابة أو طائرة أو غمامة على عيني. صورة فوق بدني الراقد منتزعة منه تسبح فوقه دون حركة أو تقدم.
أنا وحدي في الصحراء وهو صامت لا كلام بيننا. أحيانًا يسألني: «هل تعبت؟»، دون أن ينتظر جوابًا، أو يعرف أن الجواب هو مجرد خطوتي القصيرة معه في انفساح الصحراء نصنع طريقًا ضيقًا. لم يكن الرمل ناعمًا أو كثيفًا بحيث نترك آثارًا في الطريق، لكنني كنت أحس مع ذلك أننا نشق هذه المساحات العريضة الصخرية المليئة بالرمل الأصفر الخفيف الذي تحركه أحيانًا الرياح، وتمضي به إلى أبعد مما نستطيع الوصول إليه، عند الكثبان البعيدة التي لم نصل إليها أبدًا. في الأرض زلطات ممسوحة وأحيانًا خطوط تصنعها حشرات غير مرئية، ودرجات الأصفر إلى البني لا نهاية لها.
تنحدر الشمس إلى الأفق البعيد، وتتصاعد صفرة الرمل لتتحول إلى تلك الحمرة الفريدة للغروب في حلوان. حمرة جافة صافية تفيض على اليمين وعلى اليسار، وتبدأ تمتزج على الأرض بمقدم الليل، وكأن الليل ينشأ من الأرض وعليها.
ويتوقف الجد ويخلع بُلغته ويزيحها إلى جانبه ويبدأ الصلاة. يتجه إلى الشمس ويصلي، في هدوء وصمت أسمع غمغمة الآيات وانتظام «آمين» والدعوات التي تصعد مع ارتفاع الجسم وسجوده، وأنا لا أعود أراه لأنني أفعل مثله، وقد خلعت صندلي، وبدأت الرمال توجعني في قدمي وركبتي. فالصلاة تطول وما يكاد يصل إلى «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» حتى يبدأ من جديد «الله أكبر» جديدة وجسدي كله مواظب مواصل للمحاكاة، للحركة فقط، وأحيانًا تتضح على فمي «الله أكبر» أو «آمين».
لم أكن أستطيع أن أعد، ولم تكن هناك وحدات واضحة للعدد، كان هناك وقت، وقت طويل ممتد كأنه مكان دخله الجد، وشدني معه وليس عليَّ إلا أن أنتظر حتى نخرج منه.
عندما نعود وقد هبط المساء وبدأت الظلمة سأذهب معه إلى البيت الكبير، ولن أعود لأمي مباشرة لأنه سيتناول عشاءه الباكر، وسأتناوله معه. قطعة خيار باردة مقشرة، وسيضع بعضًا من الزبادي الذي سيأكله، ولقمة من الرغيف السميك وشيئًا من عسل مرة أسود ومرة أبيض.
للتذكر وقع كأنه عملية من عمليات البدن. إنني لا أسترجع ولا أستعيد، لكن التذكر هو في جوهره تكرار الاختيار القديم للرؤية. مرة أخرى ترى ما كنت ترى، وما اخترت أن تراه. لهذا لا أرى كل شيء. أرى السجادة التي سيصلي عليها العشاء وأرى الرف الصغير الذي عليه بعض كتب مغلفة ومجلدة، وعليها اسمه بالذهب، وأرى السبحة التي يخرجها مرة من جيبه ومرة من تحت مخدته، والسرير ودولابًا مغلقًا وهذا كل شيء. حتى النافذة، إن كان في الحجرة نافذة، لا أراها. أرى الباب المغلق المؤدي إلى الشرفة الواسعة والتي وراءها الشارع، والليل والأخوال الشبان والخالة التي تخدمه. وأعرف من أعماق قلبي، وكأنه في داخلي وليس شيئًا أراه، نور السلاملك الذي تعيش فيه أمي على طرف فناء البيت، وأعرف أنني في نهاية الأمر سأعود إلى هناك.
خارج الصور، تخدعك الذاكرة وتتداخل الأوقات. إنك لا تستطيع أن تمارس التذكر فعلًا إلا مع الصور، أما إذا بدأت تحاول أن تفهم أو تحاول أن تحكي فأنت تصنع شيئًا مفتعلًا لا وجود له في لحظة محدودة لأنه مصنوع في العقل وليس في العين. تساندك الصور، والجمل والنظرات في أعين الأفراد لكنك تعيد ترتيبها، تربط بينها وبين بعضها بأنواع من الاستنتاجات وبنماذج متعددة من التعاقب. وفي نهاية الأمر لا تعرف فعلًا متى تمت هذه المعرفة الأخيرة التي تتصور أنك تذكرها، وهي في الحقيقة شيء مصنوع على مدد طويلة، لم يحدث في لحظة، ولم يتكامل في لحظة، بل قد يكون حتى الآن لم يحدث ولم يتكامل.
كيف أدرك الطفل كل هذا الحجم من العلاقات، وكل هذا الحد من التاريخ والمعرفة وراء أفراد البيت الكبير وغرفتي السلاملك؟ لم يحدث في لحظة، ولم يتكامل في لحظة. بل قد يكون حتى الآن...