05 October 2016

نتاليا جينزبورج: أصوات المساء



نتاليا جينزبورج

أصوات المساء

ترجمتها عن الإيطالية
أماني فوزي حبشي




نتقابل أنا و«تومازينو» كل يوم أربعاء في المدينة.
ينتظرني أمام مكتبة «سيليكتا». يقف هناك بمعطفه القديم، الرث بعض الشيء، ويداه في جيبيه، مستندًا إلى الحائط.
يحيِّيني، وهو يرفع يده على جبهته ويبعدها، بأناقة خاملة.
نلتقي فقط في المدينة. في البلدة نتحاشى أن نتقابل؛ هو يريد ذلك.
منذ شهور عديدة نتقابل بهذه الطريقة، يوم الأربعاء، وأحيانًا كثيرة أيضًا يوم السبت، في ناصية الشارع تلك، ونفعل دائمًا الأشياء نفسها: نبدِّل الكتب في مكتبة «سيليكتا»، ونبتاع بسكوت الشوفان، ونبتاع لأمي خمسة عشر سنتيمترًا من شريط الحرير المضلَّع الأسود.
ونذهب إلى حجرة، يستأجرها هو، في شارع «جوريتسيا»، في الطابق الأخير.
الحجرة بها مائدة مستديرة في وسطها، تغطيها قطعة بساط، وعلى المائدة جرس زجاجي، في داخله فروع من المرجان. يوجد أيضًا فرن صغير خلف ستارة ليمكننا أن نُعد القهوة، إذا أردنا ذلك.
يقول لي هو أحيانًا:
- لتعلمي أنني لن أتزوجك.
وأضحك أنا وأقول:
- أعرف هذا.
يقول:
- أنا لا أرغب في أن أتزوج، ولكن إذا انتويت الزواج، قد أتزوجك أنت.
ويقول:
- هل يكفيكِ هذا؟
أقول:
- سأجعله كافيًا.
تلك هي عبارة خادمتنا «أنطونيا»، عندما تسألها أمي إذا كان لديها ما يكفي من الجبن.
أقول له:
- والبرمجة الخطية؟
يقول:
- بخير، شكرًا.
يستلقي ويداه معقودتان أسفل رأسه، بوجهه النحيف، الدقيق، وفمه الجاد.
يسألني أحيانًا:
- وأنتِ؟
- أنا، ماذا؟
- وأنتِ؟ و«صغيرات بوتيليا»؟
نعود إلى البلدة في آخر حافلة، التي ترحل في العاشرة مساءً.
يجلس بعيدًا عني، في نهاية الحافلة، وياقة معطفة مرفوعة، وهو ينظر من النافذة.
ننزل في الميدان، أمام فندق «كونكورديا»، ويحييني بطريقته المعتادة. ويذهب كل منا في اتجاه، هو تجاه الممر الحاد المؤدي إلى «كازا توندا»، وأنا إلى المدق المحاذي لغابة الجنرال «سارتوريو».
أتناول بعض العشاء في المطبخ، وتنظر إليَّ أمي.
تقول:
- اليوم كنت على ما يرام طوال اليوم، ولكن في المساء شعرت بفراغ بارد في معدتي، وكان لا بد أن آكل بسكوتة.
تقول:
- هل أحضرتِ لي بسكوت الشوفان؟
***
عندما تحصي أمي في ذهنها رجال البلدة الذين يمكن أن أتزوج واحدًا منهم، لا يخطر «تومازينو» لها أبدًا.
ربما تجده غنيًّا جدًّا، شيئًا لا يمكن الوصول إليه، ثم إنها تراه شخصًا غريبًا، يدور في البلدة بملابس تشبه ملابس الفقراء، شاحب الوجه، ولا بد أن صحته سيئة.
وتقول إن كل أبناء «بالوتا»، لسبب أو لآخَر، الأحياء منهم والأموات، يشوبهم دائمًا نوع من الغرابة، أفكار غير عادية، وهم من الباحثين عن التعاسة.
وعندما تبدأ أمي في النظر إليَّ، بينما أتناول عشائي في المطبخ مساء الأربعاء، ما أبعد فكرة أننا، أنا و«تومازينو»، كنا معًا منذ بضع ساعات في الطابق الأخير من شارع «جوريتسيا»، عن مخيلتها!
لا تعرف أمي حتى إن شارعًا يُدعى «جوريتسيا»، فهي نادرًا ما تذهب إلى المدينة.
تقول لها الخالة «أوتافيا»:
- لماذا لا نذهب أحيانًا إلى المدينة؟
تقول أمي:
- لأي غرض؟
***
أحيانًا يكون «تومازينو» سيئ المزاج، ولا يتحدث.
عندئذ أقترح عليه أن نتجول قليلًا، ونبدأ في مسيرة لا تنتهي، في صمت، في الحديقة وبجوار النهر.
نجلس على إحدى الأرائك. خلفنا، في وسط الحديقة، توجد القلعة، بأبراجها الحمراء، والسلالم الدائرية، والجسر المتحرك، وعلى أحد الجانبين توجد شرفة المطعم ذات النوافذ الزجاجية، المهجورة في تلك الساعة، ولكن يقف فيها نادلان بين الموائد، وهما يمسكان بفوطة الطعام أسفل ذراعيهما.
نجلس والنهر أمامنا، صامت، بصفحته الخضراء، والقوارب الشراعية مربوطة على الشاطئ، وكوخ الإبحار مُقام على الركائز، والسلالم الخشبية تلطمها الأمواج.
يربت هو على وجهي. يقول لي:
- مسكينة «إلسا»!
أقول:
- لماذا مسكينة؟ لماذا أبدو لك مسكينة؟
- لأنكِ وقعتِ معي، وأنا إنسان بائس.
أقول له:
- ولكن ما زال لديك البرمجة الخطية.
يقول:
- آه تلك، معي في كل الأوقات.
ويضحك.
نمشي طويلًا على شاطئ النهر. ينظر حوله ويقول:
- ولكن المنطقة هنا ريفية بالفعل. نحن نأتي إلى المدينة، ولكننا مع ذلك نذهب بحثًا عن الريف، أليس كذلك؟
أقول له:
- لماذا نتظاهر بأننا لا يعرف كلانا الآخر في البلدة؟
يقول:
- لأننا غريبا الطباع.
يقول:
- من أجل سُمعتك. لا بد أن لا أتسبب لك في أي إساءة، لأنني لن أتزوجك.
أضحك وأقول:
- أنا لا أهتم ولو ذرةً واحدةً بسمعتي.
يلف شعره حول أصابعه، يتوقف وهلة ليفكر، ويقول:
- في البلدة لا أشعر أنني حر. كل شيء ثقيل على قلبي.
- ما الذي يثقل عليك هناك؟
يقول:
- كل شيء يثقل عليَّ: «البوريللو»، المصنع، «جيمينا»، حتى الأموات.
   يضايقني حتى من ماتوا، أتفهمين؟
   في مرة من المرات، سأترك كل شيء وسأذهب بعيدًا.
وأنا أقول له:
- هل ستأخذني معك؟
يقول:
- أعتقد لا.
نسير قليلًا في صمت.
يقول لي:
- يجب أن تعثري على شخص يتزوجك. ليس على الفور، ربما بعد فترة.
يقول:
- لستِ في حاجة إلى أن تتزوجي على الفور، لِمَ العجلة؟
يقول:
- فأنتِ معي هكذا، على ما يرام.
أقول:
- معك، هكذا، أيام الأربعاء والسبت؟
يقول:
- نعم، أليس كذلك؟
أقول:
- علينا الآن أن نعود؛ سرعان ما سيحين ميعاد الحافلة.
في طريق العودة نعبر الحديقة من جديد، ونسير بجوار سور القلعة، ونعبر الجسر الذي يتذبذب أسفل عجلات الترام.
يقول:
- لا أقول إن الوضع الحالي، هكذا، وضع مثالي بالنسبة إليك.
أقول له:
- وبالنسبة إليك؟ ما الوضع المثالي بالنسبة إليك؟
يقول:
- أنا، أنا شخص بلا مثاليات.
أضحك وأقول له:
- مسكين «تومازينو».
يقول:
- لماذا مسكين، وأنا أمتلك كل تلك الأموال؟
***
كان الصباح، وكنت قد استيقظت للتو، وأقف في الشرفة؛ ورأيت السيدة «بوتيليا»، التي كانت ممسكة بشوكة التقليم وتعزق حوض الزهور.
قالت لي:
- هاي، أهلًا.
السيدة «بوتيليا» طويلة ونحيفة؛ لها وجه قمحي اللون، تغطيه التجاعيد، ونظارة ضخمة مستديرة بإطار من صدفة السلحفاة، وفك مربع.
كانت ترتدي قبعة من القش، ومريلة، وتضع قدميها العاريتين في خُفَّين.
قالت:
- ماذا قال الطبيب لأمك؟
قلت:
- ضغط مرتفع.
- ماذا؟
- ضغط مرتفع.
قالت أمي وهي تخرج لها:
- مرتفع مرتفع، مرتفع جدًّا.
قالت السيدة «بوتيليا»:
- إذن لا لحوم بعد الآن.
دعتها أمي إلى الدخول وتناول بعض القهوة.
قالت أمي:
- أمس كنت أشعر كأن في حلقي بندقة تكاد تخنقني. هذا الصباح يبدو كل شيء على ما يرام.
جلست الاثنتان في المطبخ، وكانت أمي تصب القهوة من إبريق صنع القهوة، المغطى بقلنسوة من التريكو.
قالت السيدة «بوتيليا»:
- ولكن مع الضغط المرتفع يجب عدم تناول القهوة. لا بد من التوقف عن أكل اللحم وشرب القهوة.
أمي تحب القهوة.
- وماذا يمكنني أن أشرب إذن في الصباح؟ في الصباح عندما أستيقظ تكون معدتي باردة مثل الثلج.
وقالت:
- وأنتِ كيف تستطيعين البقاء من دون جوارب.
رفعت السيدة «بوتيليا» إحدى قدميها، وأخذت تنظر إلى ساقها قمحية اللون، وفي الجزء الخلفي منها عِرْق بارز، لونه أزرق.
قالت أمي:
- ومصابة بالدوالي أيضًا. لا بد وأنكِ مجنونة لتسيري هكذا في الصباح، في هذا البرد!
قالت السيدة «بوتيليا»، وهي تضغط بإصبعها على العِرْق:
- لا أعتقد أنها الدوالي، فهي لا تؤلمني على الإطلاق.
قالت أمي:
- وإذا لم تكُن الدوالي، فماذا تكون إذن؟
قلت:
- وأين «جوليانا»؟
قالت السيدة «بوتيليا»:
- «جوليانا» استيقظت مبكرًا، وأتى «جيجي سارتوريو» ليأخذها، وذهبا إلى ملعب التنس.
قالت أمي:
- التنس؟ وكيف هذا؟ ألم تكن إحدى ذراعَي «جيجي سارتوريو» في الجبس!
- لا يلعبان، فقط يشاهدان، فهناك مباريات.
قالت أمي:
- آه، يشاهدان! ولماذا لا تذهبين أنتِ أيضًا يا «إلسا»، لتشاهدي المباريات؟
قلت:
- لا بد أن ألحق بالحافلة في منتصف النهار.
قالت أمي:
- آه بالفعل، اليوم السبت.
وشرحت للسيدة «بوتيليا»:
- في البداية كانت تذهب إلى المدينة يوم الأربعاء فقط، أما الآن فأصبحت تذهب أيضًا يوم السبت، لتبدل الكتب لـ«أوتافيا» التي تقرأ كثيرًا.
قالت السيدة «بوتيليا»:
- اشتري لي كيسًا صغيرًا من خميرة البيرة. غدًا أريد أن أعد تورتة «باراديزا»، سيأتي «البوريللو» لتناول الغداء معنا.
اندهشت أمي، وقالت:
- «البوريللو» بمفرده!
- نعم، لأن «رافايلَّا» ذهبت إلى البحر مع «بيبي». كان لديه ألم شديد في حلقه، تَسبَّب له ذلك في ورم شديد في لوزتيه.
قالت أمي وهي تتحسس رقبتها:
- ولكن «بيبي» ذلك يُصاب بشيء دائمًا. شيء غريب، إذا ضغطت بقوة تؤلمني. ربما هما اللوزتان إذن.
قالت أمي:
- وبعد الانتهاء من المشتريات، تذهب «إلسا» لتقضي الظهيرة مع أصدقائها، عائلة «كامبانا».
كنت قد تعرفت على عائلة «كامبانا» في وقت الجامعة.
قالت أمي:
- لديهم منزل جميل في شارع «نوفارا»، وهم أيضًا شديدو الثراء.
قالت السيدة «بوتيليا»:
- عائلة «كامبانا»؟
- عائلة «كامبانا».
قالت السيدة «بوتيليا»:
- «الصغيرات» أيضًا يعرفونهم. ولكنه أصيب بأزمة قلبية، وهو الآن في المستشفى.
قالت أمي:
- أصيب بأزمة قلبية؟
ثم قالت لي:
- وكيف لم تقولي لي شيئًا؟
  ولكن متى أُصيب بتلك الأزمة القلبية؟
قالت السيدة «بوتيليا»:
- الشهر الماضي.
- أزمة قلبية! «كونسالفو كامبانا»!
- «كونسالفو كامبانا».
وعندما انصرفت السيدة «بوتيليا»، بقبعتها الضخمة، لتعزق الحديقة، قالت لي أمي:
- ولكن كيف لم تخبريني بشيء في ما يتعلق بتلك الأزمة القلبية؟
قلت:
- كانت صغيرة.
- صغيرة؟ أزمة قلبية صغيرة؟
ثم عادت تقول بعد وهلة:
- صغيرة أو كبيرة، لقد نقلوه إلى المستشفى. كيف لم تخبريني بأي شيء؟ كنت سأكتب خطابًا، أو أرسل بعض الزهور. إن عائلة «كامبانا» عائلة لطيفة جدًّا معك.
قلت:
- أرسلت أنا إليهم الزهور.
- آه، أرسلتِها أنتِ؟ أي نوع من الزهور؟
- الورد.
- أي لون؟
- الأبيض.
قالت أمي:
- ولكن الورود البيضاء نرسلها إلى العرائس أو إلى مَن أنجبن، كان من الأفضل إرسال القرنفل للرجل.
   وأين عثرتِ على الورود في هذا الموسم؟ لا بد وأنكِ دفعتِ ثروة إذن.
بينما أرتدي ملابسي في حجرتي، دخلت «جوليانا بوتيليا».
قالت:
- هل أزعجك؟
كانت ترتدي تنورة بيضاء ذات ثَنْيات، وبلوزة بيضاء، وتضع على كتفيها منديلًا، طُبعت عليه خريطة لندن.
قلت:
- لندن؟
- نعم، لندن. أحضره لي «جيجي سارتوريو»، عندما ذهب إلى هناك آخر مرة.
- لماذا يذهب «جيجي سارتوريو» إلى لندن؟
- أعمال تجارية.
- وفيمَ يعمل؟
- لا أعرف.
- هل يتودَّد إليكِ «جيجي سارتوريو»؟
- لا، إنه مجرد صديق.
- هل كانت المباريات جيدة؟
- نعم، كانت جيدة، فاز فريق «تشينيانو». انهزم «تيرنزي».
- ينهزم دائمًا.
- ليس دائمًا، ولكن اليوم انهزم.
كانت قد جلست وبدأت تصنع التموجات في شعرها بالمشط.
قالت:
- لم أعد صديقتك، أليس كذلك؟
قلت:
- فلتكُفِّي عن هذا!
- لقد كنا صديقتين من قبل، لم يكن بيننا أي أسرار.
قالت:
- إذن فهو حبيبك، أليس كذلك؟
كنت قد انحنيت لأبحث عن فردتَي الحذاء أسفل الفراش.
قلت:
- لا بد أن أذهب الآن، لألحق بالحافلة.
- إنه حبيبك، أعرف هذا.
كنا في تلك اللحظة نسير على الممر. كنت أضع في الشبكة الكتب الخاصة بمكتبة «سيليكتا»، والمغلفة بغلاف أزرق.
قالت:
- لو كنت أشعر بأنكِ سعيدة، لما سألتكِ شيئًا، ولكنكِ لا تبدين سعيدة على الإطلاق.
   في بعض المرات أراكِ تعبرين وأنا واقفة عند مدخل المنزل. تسيرين بطريقة يُفهم منها أنكِ لستِ سعيدة.
   تُلقِين بشعركِ إلى الوراء، وتسيرين بخطوات سريعة متسعة، تتظاهرين بالثقة، ولكن في الوقت نفسه، تبدو عليكِ التعاسة.
قلت:
- هل حقًّا يتعاطى «جيجي سارتوريو» المورفين؟
- لا يتعاطي أي مورفين، يأخذ فقط مسكنًا للألم حاليًّا، لأن ذراعه تؤلمه.
***
قال «تومازينو»:
- أنتظركِ منذ أكثر من ساعة.
- لم ألحق بحافلة الظهيرة؛ اضطررت إلى انتظار التالية.
- وكيف لم تلحقي بالحافلة؟
- كنت مع «جوليانا بوتيليا»، التي أرادت أن تصحبني، وكانت تتكلم، هكذا تأخرت.
- ولماذا تضيعين الوقت مع تلك الغبية؟
قلت:
- إنها تعرف عنِّي وعنك.
- تعرف؟ وكيف عرفت؟
- لأن أختها «ماريا» رأتنا في أحد البارات وكان معها «ماريا موسو».
- وماذا تقول عنا كل أولئك «الماريات»؟
قلت:
- لا أعرف. «جوليانا» ترى أنني لست سعيدة.
- إنها غبية.
- لماذا؟ هل أبدو سعيدة؟
قال:
- أنا لا أعرف كيف تبدين.
- ألا تعتقد أنه شيء سيِّئ أنك لا تعرف هذا؟
- لا يبدو لي سيئًا ولا جيدًا. لا أطرح على نفسي السؤال.
قلت:
- شكرًا.
- شكرًا على ماذا؟
- شكرًا، بلا سبب.
قلت:
- كيف تستطيع أن تكون كريهًا بهذا الشكل؟ كم يمكنك أن تكون شخصًا كريهًا!
كنا في شارع «جوريتسيا»، وقلت:
- لا أشعر بالرغبة في الصعود اليوم.
- لماذا إذن أتينا حتى هنا؟
أخذت أسير وهو يتبعني. كنت أسير بلا هدف، وأنا أهز الشبكة التي تحتوي على الكتب.
قال:
- أعطيني الشبكة، سأحملها أنا عنكِ. على الأقل كان يمكننا تركها لدى البواب في شارع «جوريتسيا»، تلك الشبكة اللعينة. ألا تكتفي جدتكِ من قراءة تلك الروايات؟
قلت:
- ليست جدتي، بل خالتي.
قال:
- خالة أو جدة، لا فارق.
قلت:
- إنك تعرف جيدًا أنها خالتي. إنك دقيق كموظف السجلات، وذاكرتك جهنمية. لقد قلتَ هذا لتضايقني.
قال:
- هذا حقيقي.
وابتسم.
- أعرف أنها ليست جدتكِ، بل خالتكِ. قلت هذا من غضبي، لأنني انتظرت كثيرًا، وأنا لا أحب الانتظار.
قال:
- لقد كرهت باب مكتبة «سيليكتا»، وأنا أقف هناك في انتظارك.
قال:
- تَملَّكنِي الخوف من أن يكون قد أصابكِ مكروه، أن تكوني مريضة، أو أن تكون الحافلة انقلبت.
قال:
- إذن صغيرة «بوتيليا» ترى أنكِ لستِ سعيدة؟
قال:
- لماذا لستِ سعيدة؟
قال:
- عندما أكون هناك في منزلي، في «كازا توندا»، أنظر حيث يوجد منزلك، أنظر وأفكر: تُرى ماذا تفعل الآن؟ تُرى هل هي حزينة أم سعيدة؟
  هل يعجبكِ أن أفكر هكذا وأنا هناك وحيدًا؟
قال:
- هل يبدو لكِ ما أعطيه قليلًا؟ حب قليل؟
قلت:
- نعم، يبدو لي حبًّا قليلًا.
قال:
- لكن هذا كل ما يمكنني منحه. لا أستطيع منحكِ أكثر من هذا، فأنا لست عاطفيًّا، أنا شخص ذو طابع انطوائي، أعيش وحدي، ليس لي أصدقاء، ولا أبحث عن أحد.
قال:
- تسعد النساء مع الرجال ذوي المشاعر الجياشة والرومانسيين.
   ولكنني كنت يائسًا، عندما كنت أنتظرك منذ قليل على ناصية الطريق. كنت أقول لنفسي: ماذا سأفعل إذا لم تأتِ؟ إذا ماتت؟
   كنت أقول لنفسي: كيف سأعيش إذا ماتت؟
كنا قد وصلنا في ذلك الوقت إلى الحديقة، وكنا نسير بين الأشجار العارية، ونحن نطأ العشب الذي حرقه الصقيع.
قال هو:
- تلك الغرفة في شارع «جوريتسيا» كئيبة. يمكننا أن نستأجر غرفة أخرى، في شارع أجمل. يمكننا أيضًا أن نستأجر منزلًا بأكمله. هل سيمنعنا أحد؟
قال:
- أتريدين أن نبحث عن منزل جميل ومريح، به مطبخ، حيث يمكننا أن نطهي بعض الطعام؟
قلت:
- هل تستحق تلك الساعات القليلة كل هذا العناء؟ إنهما أمسيتان فقط في الأسبوع، يومَا الأربعاء والسبت.
- كيف لا يستحق الأمر العناء؟ ألا يستحق الأمر أن نرتاح، ولو ساعات قليلة؟
قال:
- هل ترغبين في أن نذهب الآن إلى شارع «جوريتسيا» لبعض الوقت؟
***

08 March 2016

علاء خالد: مسار الأزرق الحزين



علاء خالد

مسار الأزرق الحزين


زمن المستشفى من أكثر اﻷزمنة كثافة، وإحساسًا بالتحول، الزمن الذي يتقلب بين أقصى تدريج للمعجزة وصفر الموت. المعجزة أحد أساسات هذه المؤسسة المسماة «المستشفى»، تتجول كل ليلة وسط هذه الأسِرَّة والملابس البيضاء ورائحة الديتول وفنيك الحمامات. مواعيد صارمة للأدوية تحشو هذا الزمن الكثيف، حتى يخال لنا أن هناك شيئًا يحدث ويتحرك، أو بذرة تشق طريقها لأعلى، لا شيء يحدث، والبذرة تشق طريقها لأسفل، هناك مطبخ كوني تُطهى فيه وجبتا الموت والشفاء. استيقاظات وغفوات مقتطعة، آلام بلا مصدر، توالي الليل والنهار المبطنين بمواعيد اﻷدوية، وباﻹضاءة الصناعية. زمن مثل زمن القطار، بالرغم من قِصر مدة السفر، ولكن المسافة تضاعف اﻹحساس بالزمن، كونه خارج سياقات أزمنة الحياة اليومية وأزمنة الذاكرة. اﻷزمنة غير مستقرة، يتغير اﻹحساس بها تبعًا لنوع المواجهة. أمام الموت ينتصب الزمن، تعود له أُخُوَّتُهُ، الإخوة اﻷعداء. كانت مصادفة أن يأتي سريري أمام ساعة الحائط. كان الوقت يمر، ولكن بشكل مختلف عن حياتي العادية، هناك وعي ووزن لكل دقيقة وثانية. كل ما هو غير مرئي، ونأخذه كشيء مسلَّم به في حياتنا العادية، ولا يثير حتى انتباهنا، كالوقت أو الزمن أو رائحة البرتقال، كان هنا في غرفة العناية المركزة هذه له ثقل وحضور ماديان، ربما لاتساع الوعي بالزمن حتى تتلمس ماديته، ماديته هو، وليس عبوره وإحساسك بالفناء. كأنك في سباق لا يوجد به خط نهاية. كان مرور ربع ساعة أحد الإنجازات، كأني أنا الذي أطهو الوقت، أو أمسك بذيله وأسحبه تجاه الجهة الرابحة. كنت أقول لنفسي: لقد بعدت ربع ساعة عن النقطة التي بدأت فيها السباق مع الموت، وأيضًا ربما اقتربت ربع ساعة منه! الموت كان يسحب العقارب، لزمن صفري، في الأمام أو الخلف، لسكون مادي، كلحظة التطابق بين العقربين، وزرجنة ورعشة لحظة الانفصال بينهما، ثم استعادة كل عقرب لمسار دورته من جديد، عقرب الساعات بحركته الرصينة، وعقرب الثواني بهوجائيته، وقفزاته المتتالية. كان الوقت يمر ببطء، ويضع بصمته، ودرجات ألوانه، ومثقال ذراته على كل شيء من حولي. تتمنى أن يكون الوقت هو قبضة الريش التي تنفخها مرة واحدة، ولكن هنا، كل شيء يحدث ببطء، ومصحوب بسأم انتظار النهاية. كان هناك عمل دؤوب لهذا الجسد الساكن، مهمة أن أُبْقِيَ على الحياة، وأشد العقارب لزمن آخر، وأمنع بقوة تركيزي هذا التطابق ولحظة السكون المؤقتة بين العقربين، لحظة التقاء المادة بالروح المتسربة من وراء ظهر الحياة. كل التجارب الساحرة للمخيلة وجدت أخيرًا المكان الذي تتحقق فيه. كنت أخشى من هذا الباب الخلفي الذي يمكن أن تتسرب منه الحياة دون أن تودعني، أو دون أن أودعها. الحياة داخل هذا الحيز كانت معلقة على هذه العقارب. وعندما خرجت لغرفة عادية كانت الساعة معطلة على السادسة إلا عشر دقائق. أمام هذه العقارب المحنطة لم أجد أي رغبة في المقاومة، بالفعل كأن الزمن توقف، وهذا هو برهان الموت الأكيد. أصر صديق لي على أن يأتي ببطاريات جديدة، حتى يعيد أمام عيني سيولة الوقت. في أحلامي التالية رأيت ذلك الباب الخلفي مُسمرًا بصليب من الخشب.

بمجرد انتهاء الزيارة الليلية، التي تستغرق ساعة، من السابعة حتى الثامنة، أواجه بأصعب اﻷوقات، والتي أتمنى أن أقضيها نائمًا حتى صباح اليوم التالي، بدون أي إحساس أو يقظات مخنوقة. تلك اللحظات المسروقة، والتي تتبخر في الهواء بدون ذكريات أو ذاكرة تحصيها، هي ما كنت أرنو إليه كأهل الكهف، ولكن على نموذج مصغر، كنت أرقد في كهف حياتي انتظارًا لبعثٍ ما؛ أصحو وقد مرت اﻷحداث المؤلمة أثناء النوم! طبعًا كان يقطع رحلة اﻷرق الليلي كثرة المحاليل واﻷدوية التي تملأ فراغ وقلق هذه الساعات حتى الصباح. كل ساعةٍ هناك من يضع يده على كتفك أو يهمس في أذنك، لو أخذتك غفوة، ليضع لك الدواء أو سن الإبرة أو كيس البلازما أو زجاجة المضاد الحيوي. بمرور الوقت، وبثقل هذه الساعات، زاد تعلقي بالمخدر، وزادت جرعاته. أمبول صغير كلما رأيته في يد الممرضة، وهي تسحب محتوياته بالإبرة، ثم تنزع السن، ثم تضخها في الوريد وتكبس عليها بإبهامها حتى آخر قطرة عالقة بالجدران؛ أشعر بالراحة، أو أجلبها من كهفها السري القديم في هذا الجسم، حتى قبل أن يبدأ مفعولها وتصل لمراكز الألم. أحيانًا كنت ألحُّ عليهن عندما يماطلن خوفًا من إدماني لها، فأطلب الطبيب النوبتجي حتى يسمح لي بجرعة إضافية، حتى أنام، أو على اﻷقل أشعر بذلك اﻻطمئنان النفسي لمدة ساعة، كانت توازي، بالنسبة لي، درجة أخف من درجات الألم. الإدمان كان أهون بكثير من هذا الفراغ النفسي الموحش الذي كنت أشعر به وبآلامه داخل هذا النفق الأخروي الذي كنت أعبر به. عند الساعة التاسعة مساء سأنادي على هذا الممرض المار أمام السرير، وأطلب منه بصوت متوسل مبطن بشفرة موسى حادة أن يضخ هذا السائل السحري في «الكانيوﻻ» المتصلة برقبتي. عند بدء سريان المفعول كنت أغمض عينيَّ استعدادًا لتلقي الوحي والقبض على الراحة وعينيَّ مغمضتين. كنت أرى أمامي مجموعة كبيرة من الزجاجات الملونة، كالتي أراها في أفران الزجاج البلدي في مصر القديمة، مصفوفة على منضدة. كانت المنضدة تترجرج كأنها طافية فوق سطح مائي، ومعها تترجرج الزجاجات، وتصدر صوت ارتطام أنيق فيما بينها، بدون أن تسقط. وأنا أترجرج معها، في سريري، وأتماوج مع السلم الموسيقي لرنينها كقطعة دخان. كانت ألوانها تتداخل في صدري، الذي أخذ يتسع ويطوق هذه الزجاجات؛ وتصبغني في توالٍ لوني، دخول وخروج اللون من صدري بدقة وبدون تداخل كأنَّ هناك مهمة تعرف الألوان خطواتها جيدًا. أحيانًا كنت أرى سريري يتدحرج إلى أسفل كأنه على منحدر، ويجوب بي أرجاء المستشفى، المصمم بانحدار إلى أسفل بنفس جغرافية الحلم، ثم يصل لمكان مظلم له ستارة كبيرة، كسينما السيارات. أدخل، بينما أتعثر بتلك الستائر العملاقة، لأجد شاشة كبيرة ومجموعة من اﻷسِرَّة المنتظمة في صفوف بمرضاها، وبجانب كل واحد شجرة محاليله، والجميع شاخص ببصره ناحية الشاشة المضيئة التي تعرض أحد الأفلام. كان المخدر يصنع رحلة داخلية كرحلة الرغبة وطوافها في أحراش العقل البدائي للإنسان. هذه الرحلة الليلية كانت أحد أسباب شفائي. كان العقل الباطن نصيرًا لي في هذه الرحلة، ككيس الفشار الكبير الذي يكسر حدة الظلام بالنسبة للأطفال في صالات العرض. كان يأخذني لهذا العالم الملون من الزجاجات والأفلام، بالرغم من أني لم أستدر يومًا وأرى هذا الفيلم الذي يعرض يوميًّا على هذه الشاشة المضيئة، ﻷفهم رسالة العقل الباطن الذي يريد أن يرسلها لي عبر هذا الفيلم المتكرر؛ إلَّا أني كنت أجد في هذه الشاشة المضيئة كوة أمل تعكس تفاصيل حياة أخرى قريبة، كأنها نبوءة بأني سأعيش. كان السرير هو الرمز المشترك بين كل رحلاتي الليلية، ويبدو أنه كان بالنسبة لي أكثر من كونه سريرًا، لتكرار ظهوره داخل هذه الرحلات. كان العقل الباطن يمنحه رمزية ثابتة كالوطن، أو الأرض الأخيرة التي ستراها عينك، والتي أرسل لها نُوح الحمامَ من فوق أرض سفينته المؤقتة، أرض مؤقتة تبحر، كسفينة نوح، اتخذت شكل سرير، وما عليَّ سوى أن أفك زواياه الأربع ليعود كما كان. كان لهذه الرحلة فضل استعادة للغة وإشارات العقل الباطن ولجزء من موهبته التي حرمت منها طويلًا. كنت أحب هذا المستوى من اﻹدراك الذي يجعلني أستمتع بالرموز المهداة من العقل الباطن، وحتى بدون الحاجة لتفسيرها، كانت تبعث فيَّ طمأنينة كون هذا العقل متضامنًا معي ويرسل لي رسائله حتى أصمد وأقاوم.

في اليوم اﻷول لتعليق المحاليل شعرت بأننا في صيف مبهج، ورأيت في لون البلازما اﻷصفر لون عصير المانجو، وفي لون المحلول الأخضر لون عصير الليمون بالنعناع، وفي لون المحلول الأزرق زرقة مياه البحر في الصباح. هذه العصائر الصيفية كانت تصب في القلب مباشرة من أقصر طريق، ويلفح جسمي الساخن هواء هذا الصيف المنعش. جزء من أثيرية هذا العالم الشبحي انتقل إلى مادة جسمي، وأصبحت شخصًا أثيريًّا غير مرئي، أتحرك بين صور حياتي المعروضة على شاشة مخيلتي كأنني لا أنتمي لها كلية، وهي لا تنتمي لي كلية. هناك انفصال صنعه الموت، بذرة اغتراب متبادل نمت بيننا، أمسك بالأشياء في مكان آخر غير مكانها، أو في زمن آخر غير زمانها؛ كل الأزمنة كانت مفتوحة في «ماراثون» الذاكرة، وأتعثر بينها كأنني فقدت مسار حارتي التي أجري فيها. ملمس الأشياء في يدي كأنه ترجيع لماضي هذه الملامس. أصبحت قريبًا من شبح زوج «ديمي مور»، في فيلم «شبح»: بعد وفاته في جريمة قتل عاد شبحه ليكون بجوار زوجته. لم تكن تراه، لكنها كانت تشعر بوجوده، بهواء بارد يتشعب في نسيج جلدها فتقشعر عندما يحضنها من الخلف كما كان يحضنها في حياتهما السابقة. كنت أستحضر سلوى وأنا نائم، وتدور بيننا حوارات دافئة أملأ بها ثقوب هذا الثوب القديم الذي يلبسه ليل المستشفى.

عادة ما كانت مواعيد الزيارة تمتد لربع ساعة إضافية كالوقت الإضافي في المباريات. داخل هذا الوقت الإضافي تتجمع كل الأمنيات: كل زائر يريد أن يتخطى الزمن المحدد له ليشبع من مريضه الذي يقف على أبواب الآخرة، فربما يغادر الحياة خلال هذا الوقت الإضافي. عادة كان عامل العناية المركزة، الذي كنت أشك في كونه يأخذ إكراميات كبيرة من الزائرين كي يسمح لهم بوقت إضافي، كان يلح على ابنة وابن جاري في السرير المجاور، والذي كان في مرحلة متأخرة من المرض، بوجوب مغادرة المكان حتى لا يُجازى. يخرج ويعود عدة مرات بنفس الطلب، فقد استنفد الوقت الإكرامية التي أخذها. كانا يستشعران الموت في كل لحظة، لذا كانا يتثاقلان في حركتهما وفي تنفيذ تنبيهات العامل بالمغادرة، كأنهما يتحركان في مشهد يتم عرضه بالتصوير البطيء. زمن المستشفى كله يعتبر زمنًا إضافيًّا قارب أن ينفصل عن أزمنة الحياة الأصلية. لم أستوطن المستشفيات كثيرًا من قبل، مات والدي في البيت، وأمي ماتت في المستشفى بعد دخولها بيومين، ولم يطل زمن أملي بنجاح العملية. كلها أوقات مستقطعة، لا ترى فيها إلا عالمك الشخصي وتضاعيفه وانعكاساته، ولا تملك رفاهية أن تكشف شبكة أعصاب هذه المدينة. لم آخذ مركز المراقب، إلَّا وأنا عصب مكشوف داخل هذه الشبكة. أتذكر عندما استوطن صديق لي أحد المستشفيات العامة نظرًا لحالته المزمنة، على مدى سنوات كنت أتنقل معه تبعًا لتطور حالته، ومعها يتغير عنوان الزيارة، كل زيارة له كانت تدخلني في حالة صمت تام لساعات بعدها، أو لأيام، حتى اعتدت على الصور الصامتة للألم.

كان المستشفى كبيرًا ومأهولًا كحي سكني شعبي، ممرات، وانتظارات، وأزقة، ومباول، ونصبات شاي، المستشفيات مدينة كبيرة للألم. كل المشاعر التي تحتويها البيوت ونحتفظ بها تحت جلودنا يمكن أن نراها واضحة هناك في المستشفيات، وأولها الخوف من الموت. لا يمكن أن نؤجل خوفنا أمام هذا الكم الهائل من الآلام، وأمام هذا الترقب. كل سرير تلتف حوله أسِرَّة موجوعة بعيون لم تنم لعدة أيام، وفي الممرات هناك مظاهرة صامتة، مجموعات أخرى تقف على قدم واحدة، والأخرى تنتظر الأوامر لتتحرك، ورؤوسهم إلى الخلف ينتظرون أي بارقة أمل، أو أي ظهور لطبيب أو ممرضة ليسألها عن الحالة. أما من هم بالداخل ملتفون حول المريض فليس أمامهم وقت للترقب، فبكل يد هناك كتاب للأدعية وصلوات داخلية تتلى و«مونولوج» مصور برحلة طويلة مع هذا المريض المسجى. الصور أحيانًا أقوى من الأدعية، لأنها تجلب لنا في تلك اللحظات الحياة بوجهها السعيد، وتجلب لنا وجه المريض وهو في أقصى حضور له. التمسك بالحياة دواء فعَّال للمريض، وأيضًا للمحيطين به، الدواء الذي لا يكتبه طبيب، وإنما نشحن به أنفسنا في تلك اللحظات، يغمرنا الأمل حتى ولو كان كاذبًا. يكتسب الموت رموزًا يتعارف عليها الجميع بدون أي لبس في التفسير، مثل العين المفزوعة للأقارب، أو البكاء في زاوية بعيدة حتى لا يرى المريض موته شاخصًا في عين أقاربه، أو الحركة السريعة فوق العادة لطاقم التمريض في الردهات، الصوت العالي والتنبيه الذي يتكرر باستدعاء الطبيب في محطات بث المستشفى، جميعها تزيد احتمالات الموت حول سريرٍ ما في طابقٍ ما وسط هذه المدينة متعددة الطوابق. في المستشفيات العامة، التي تبدو كأحيائنا الشعبية، الموت صريح ومكشوف، ويمكنك لو كنت حاضرًا بالصدفة أن ترى مشهد الموت بكل تدرجاته أو تلامس عن قرب هذا الجسد النائم. أما في المستشفيات الخاصة فالموت محجوب خلف الزهور ورائحة البرفانات، وأناقة الممرضات، وأنف الاستشاري، والصمت القاتل الذي يغلف الردهات، والعزلة والسرية التي تحيط بهذا الجسد عند دخوله، وكذلك عبر الفواتير والعلامات التي تسجل في دفاتر المرور للاستشاريين الكبار، كل شيء محسوب بدقة ولا تهاون في خروج الجثمان، وبصحبته فاتورة ضخمة، للعالم الآخر. السجائر التي تُستهلك في تلك المستشفيات، في بلكونات مثلجة وفي زوايا مسموح فيها بالتدخين، هي أكثر بكثير من تلك التي كنا نستهلكها في السينمات. دخان لا يصعد أمام ضوء يأتي من الشاشة ويسحب معه الخيال، إنما هو دخان حزين بلا خيال، لتُزجي وقتًا طويلًا في الانتظار، ولتردد حركة اعتدت عليها في حياتك العادية خارج المستشفيات، لتشعر بأنك ما زلت هناك، ولم تعد بعد أحد مواطني هذه المدينة الموجوعة.

في المستشفيات ترى الخريطة الطبقية لمصر بوضوح. هؤلاء المختبئون في القرى والنجوع والهوامش البعيدة، يدفعهم المرض للظهور في الضوء، يأخذهم من أيديهم ويسلمهم لضوء العاصمة، من معمل تحاليل إلى صور للأشعة إلى عيادات الأطباء وصولًا إلى سرير في المستشفى العام. عبر كل هذا يتضخم المرض ويتضخم الوهم وتُكتب سيرة أخرى لهؤلاء البسطاء. لن يأتي المريض إلى العاصمة بمفرده، بل بصحبة عائلته، وكلما زاد زمن المكوث والعلاج، تضخم الملف العائلي، ودخلت شرائح جديدة إلى ضوء العاصمة، ضوء بارد يدفع إلى اليأس، ضوء أجهزة الأشعة وصالات الانتظار في عيادات الأطباء، تشعر أن مصر كلها مريضة، وملفها الطبي ضخم للغاية. في تلك المدينة الموجوعة الزمن مضغوط، لأن الحياة قصيرة، لذا يمكن أن تتبدل عليك في ساعة واحدة أطياف من المشاعر، ما بين التفاؤل واليأس، والتحفظ والصمت. إنك تلعب لعبة دقيقة مع الموت، لا تعرف صورته، لذا تعدد من صور مشاعرك ليختار منها، تتمسك بالأمل لتنصب له فخًّا، لإطالة زمن الطمأنينة والفرح والصحة، ويمكنك كذلك أن تقابل إحدى صور القدر هناك، عندما يلقي عليك الطبيب أو المساعد بحالة مريضك الخطيرة. كل ما سمعت عنه من أمراض وحالات مستعصية، وكذلك خفت منه، تجده في المستشفى قريبًا وأليفًا للغاية. الصدمة هي أقل ما يقال في تلك اللحظات التي ينضج فيها الإنسان مراحل، ويكبر فيها حزنه، تصبح هناك جملة تستخدم كالأيقونة «نعمل اللي علينا والباقي على ربنا»، في تلك اللحظة يقطع المريض المسجَّى خطوة في ذاكرتك باتجاه العالم الآخر. حدود المستشفى لا تقف عند حدود أسواره الخارجية، بل تمتد لتشمل المقاهي المحيطة، ومواقف السيارات والمطاعم، يخلي المجال من حوله ويقتطع أراضيَ جديدة من حيز مدينة الأصحاء. أعداد كبيرة تنتظر خلف الأبواب ميعاد الزيارة، وهناك من ينتظر خروج الجثمان، من الأبواب الخلفية، وسط صراخ نسائي. يصدر الموت إلى الخارج، وتوضع علامة سوداء في خانة مدينة الأصحاء. هناك عربات إسعاف تنتظر أن يُملأ جوفها بهذا الجثمان. هذا السائق هو الذي يقضي الرحلة الأخيرة مع الجثمان، مع أنه لا يَمُتُّ له بأي صلة.

18 January 2016

إبراهيم عيسى: دم على نهد


إبراهيم عيسى

دم على نهد

بينهما منضدة صغيرة، عليها قماش نزعَته بيدها بعيدًا، وأوراقُها وقلم حبر بين أصابعها، وجهاز كاسيت صغير، وشريطان في حقيبتها، وهي تلف بإصبعها القلم في دوائر كاملة قلقًا وتوترًا. مد يده مرتجفة قليلًا، ارتجافًا لا تلحظه إلا عينا امرأة تحدق في تصرفات رجل، لمسها فذُعرت وارتجفت وارتدَّت تشعر بالمفاجأة.. على المكتب في آخر الغرفة انتبه الصول الجالس بشاربه الكث:
- فيه حاجة يا أستاذة؟
عيناه امتلأتا بالثقة والقوة واللامبالاة، وقال لها بثبات شديد:
- لم أقصد شيئًا، هذه الحركة العصبية تُضايقني فقط، أرجوكِ يا أستاذة مي توقَّفي عن حركتكِ بالقلم.
صدَّقته ببساطة، والتفتت إلى الصول:
- لا تقلق يا حضرة الصول.
كأن الصول كان يريد هذه الجملة ليهدأ ويعود إلى ضحكات سريعة مؤقتة.
- لم تقل لي يا محمود...
قاطعها:
- لماذا أصبحت أنا، محمود حلمي سفَّاحًا؟! لقد سئمت السؤال يا أستاذة.. سألوني لمدة عام كامل نفس السؤال، البوليس والنيابة والصحافة والتلفزيون وبرامج الإذاعة، الإخصائيون النفسيون، الكل سألني، ولم يعُد بداخلي سنتيمتر يكفي للإجابة عنه.
عادت مي تلملم أوراقها، وعادت برأسها إلى الخلف، ورفعت نظارتها وابتسمت ابتسامة خرقت المجال الفاصل بين حدودهما. كانت تستريح من هَم وعبء الأسئلة المزدحمة في داخلها، وكان هو لأول مرة يرى ابتسامة هنا بعد عام من السجن، وربما كان يرى هذه الابتسامة لأول مرة منذ سنوات طويلة، ربما منذ ولدته أمه عاريًا وصارخًا ومصحوبًا بدم فاسد أحمر قانٍ.
إذا جاز لنا أن نصف ابتسامة مي الجبالي فهي تمثل نصف مبررات الحياة كي يعيش قاتلٌ، لكن من المؤكد بنظرة موضوعية خالصة أن محمود حلمي المحكوم عليه بالإعدام لم يكن أمامه إلا أن تنقلب حياته بعد هذه الابتسامة؛ براعتها، بكارتها، كأنها أول ابتسامة تفلت من شفتين في الوجود، تفرُّدها كأنها ابتسامة مفصلة لك خصيصًا، ممنوحة لعينيك في برق لحظة! اهتز تمامًا.. وفقط.. بدأت أشياء غامضة تتراكم داخله وتزدحم وتنفعل وتتفاعل.. وانكشفت كل حصونه، اقترب من الكاسيت أكثر، كأنه يُدلي بتصريح فوري لوكالات الأنباء:
- تِعرَفي؟ أنا قلبي حجر صوان صلد، يعني لو شَقيتِ (رسم بإصبعه طريقة سريعة ومحترفة لشقِّ بطيخة) هنا لن تجدي قلبًا.. ساعات والله العظيم أحس إن ربنا بعت حد بالليل (لماذا بالليل تحديدًا؟) وفك صواميل قلبي كلها.. خلعها ومشى.
وضعت القلم في فمها فصدر صوتها مبلولًا بلعاب ما:
- لا يوجد أحد بلا قلب يا محمود. صلاح جاهين قال: «قلبي رميته وجِبت غيره حجر.. داب الحجر ورجعت قلبي رقيق».
في غمرة بلاهة انطلق صوت عالٍ ممزوج بضحكة متقطعة:
- عجبي!
فزعت، وقام الصول من غفلته، ثم عاد لما ألقى نظرة فوجد سكنًا تامًّا في تلك المنضدة التي بلاه الله بها منذ صبيحة هذا اليوم... استدعاه الضابط منذ يومين وأمره بإعداد غرفة النبطشي القديمة وتجهيزها (مروحة ومنضدة ومقعدان)، إذ ستحضر صحفية إلى السجن كل أسبوع لتقابل السفَّاح محمود حلمي لتعمل معه كتابًا. اندهش. هذه هي المرَّة الأولى التي يسمع فيها حكاية الكتب. كل يوم أو يومين يأتي صحفي أو صحفية لعمل حوار أو تحقيق لجورنال من داخل السجن، ويقعد في مكتب مأمور السجن، ونحضر له مَن يريد، أما حكاية كل أسبوع، وكتاب، وصحفية، ومحمود حلمي، فصعبة قليلًا. لكن متى كانت له أي كلمة في هذا المكان؟ ثم إن الولد محمود حلمي غريب وشرس وابن حرام، لا يملك قلبًا، وليست عنده أي مشكلة في أن يحطم ذراع أي حارس في السجن، ثم يدفع له مائة جنيه تعويضًا! كيف تأتيه هذه الشجاعة؟! ومن أين تأتيه كل هذه الفلوس؟! غريب وغامض، والكل يخشاه ويخافه، والله العظيم حتى المأمور يعامله معاملة مختلفة، لم يرها مع أي سجين آخر، ثم هذا محمود حلمي المُعدم رسميًّا، سيقتلونه، سيقتلونه رغم أنه أحيانًا يسمعه فجأة صارخًا وسط فناء السجن حيث الهدوء والصمت وكل واحد في حاله، وحيث لا أحد يقدر على إسكاته، يصرخ وهو واقف وحده مرتجفًا برعشة تسري في عضلاته وأعضائه:
- لن يعدموني يا كلاب!
فيه حاجة مع هذا الرجل.. رجل إيه؟ واد عمره 27 عامًا لا راح ولا جاء.. لكن ماذا تفعل؟
- حضرتك جميلة قوي!
بوغتت مي بهذه الجملة التي بدت تخرج بصعوبة من فم محمود، بصعوبة وبسرعة معًا.. كأنه يتخلص منها. لم تبتسم ولم ترد ولم تصد. حاولت أن تعطي كلامها بعض الحزم، وقليلًا من الصرامة (فشلت لكنها واصلت):
- اسمع يا محمود، هذه الجلسات لا أنا ولا أنت مُجبران عليها. أنا أريد كتابًا، لكن ليس على حساب أعصابي، وأنت تريد استراحة من جو السجن، ووافقتَ على الكتابة، فرصة للحياة قليلًا بعيدًا عن السجن والسجَّان. أنا أكيد مهتمة بشخصيتك، وأريد أن أعرف أكثر، وأريد أن يعرف الناس والأطباء والإخصائيون والقُرَّاء أكثر عنك؛ حتى نستطيع أن نكشف هذا العالم الذي نسمع عنه ونراه أحيانًا، لكن لا ندخل في أعماقه أبدًا.
وضع كفيه على بطنه كأنه يقاوم ألمًا:
- تريدين الدخول إلى أعماقي؟ أي! أي!
واصلتْ مخافة الضَّعف:
- محمود، بَطَّلْ تفاهة! اليوم ممكن تكون أول وآخر مقابلة.. لا تعرف أنت كيف عانيت للحصول على تصريح لقائك أسبوعيًّا وبعيدًا عن الزيارات الرسمية، ثم أنت قعدت أسبوعين على ما تجاوب وتوافق، إذا كنت تريد التهريج وترييح الأعصاب، فالكل حذَّرني من ذلك، قالوا لي لسنا في أمريكا.. ولن يُحدِّثكِ عن شيء، سيضحك عليكِ...
قاطعها وهو يضع إصبعه على أنفه الكبير الذي يظهر عليه قَطع مخيط بأكثر من غرزة قديمة:
- أنا شفتك قبل اليوم، أليس كذلك؟ رأيتكِ، صح؟ أيام القضية.. ولَّا لَما قبضوا عليَّ؟ أنا أعرفك وشُفتك.
سحبت دهشتها داخلها، ونظرت في عينيه مستعيدة جرأتها:
- ذاكرة قوية.. ولَّا استهبال على الآخر؟
ضحك ضحكة مخنوقة:
- لا، ذاكرة قوية.
«صح.. رأيتُك ورأيتَني من قبل، بعد يومين من القبض عليك. التقتكَ زميلتي في المجلة وكنت أنا معها؛ كانت خائفة وفي حاجة إلى رفيقة، ذهبت معها، يومها كانت كل ملامحك مدغدَغة، الدم الناشف فوق وجهك، وأنفك مقطعًا، والسلاسل في يديك وقدميك. قعدنا معك سبع دقائق في المديرية، ولم توجه نظرًا إليَّ، ولا إليها، واضعًا نظراتك في الأرض وصامتًا، كنت طوال الوقت تتكلم كلمة أو اثنتين وتسكت.. لغاية ما صورك المصور فرفعت رأسك ونظرت إليه بقوة كأنك تخاطب الناس بعينيك، كأنك تريد أن تنظر في أعين الملايين الذين سيرون الصورة، أو إنك عايز توجِّه نظرك إلى أحد بعينه وتريد أن تنظر في عينيه بقوة وتوجِّه إليه كل ما لديك من لغة، نظرات مليئة بالوعد والوعيد والكلام والحزن والتهديد والرقة. يومها قررتُ أنك مهم، وأن شيئًا ما داخلك، خرجت أنا وزميلتي، هي قرفانة مذهولة ومندهشة من نفسها، لأنها جلست مع سفَّاح قتل ثمانية في فندق، وأنا بُحت لها بتعاطفي معك. اتهمتني بالوحشية وبالإعجاب بالقتلة وبالخلل النفسي وبظروف الخروج من الطلاق، لكن.. لكن.. ماذا أقول؟».
كل هذا الكلام الذي قالته مي الجبالي قالته لنفسها لا لمحمود حلمي الجالس أمامها منتظرًا أي إجابة.. قالته ودفسته ودفنته داخلها، لا تعرف ما الذي يمكن أن تفهمه هي نفسها.. ماذا يمكن أن يخرج ذهنها به من هذا الكلام.. فما بالك لو سمعه محمود حلمي!
كأن وحيًا جاء فجأة:
- اسمع.. تريد أن نكمل؟ فلا غزل تافهًا! ولا محاولات عيال لجذب الانتباه! ولا كذب!
هكذا قالت بلا مواربة وبسرعة، كأنها تملي شروط هذه الحرب، فأجابها خاطفًا الكلام من فمها:
- ولا أريد شروطًا منك، ولا تحاولي إعادة تربيتي، ولا أريد أن أسمع أحكامًا على تصرفاتي؛ فأحكام القضاء العادل النزيه تكفيني.