18 January 2016

لطيفة الزيات: الباب المفتوح



لطيفة الزيات
الباب المفتوح


1

كانت الأمسية، أمسية 21 فبراير سنة 1946، والساعة السابعة، والهواء ساكن، فيه برودة محببة، والجو نظيف كما لو كانت السماء قد أمطرت وغسلت الأرض، والقاهرة على غير عهدها لا تتلألأ بالأنوار، والناس على غير عهدهم لا يزدحمون في شوارعها الرئيسية، يدخلون دور السينما والمحال العامة ويخرجون منها ويتوقفون عند محطات الأتوبيس والترام.
كانت دور السينما مُضربة، وكذلك المحال العامة والأتوبيس والترام. وسيارات البوليس تمر في الشوارع ببطء محملة بجنود مسلحين بالبنادق، والمارة قلائل، جماعات من اثنين أو ثلاثة أو أربعة يسيرون في الشوارع في بطء أو يقفون عند مفارق الطرق ويتحدثون. يتحدثون بلهجات متباينة، وبمستويات لغوية مختلفة، ولكن الحديث يدور حول نفس الموضوع، حول ما حدث في الصباح في ميدان الإسماعيلية:
- يا سيدي التصادم ما جاش صدفة، التحرش كان مقصود، مظاهرة من 40000 شخص، مظاهرة قايمة أساسًا ضد الإنجليز، يقوم الإنجليز يخرجوا لها خمس عربيات مسلحة تمر وسطها!
- فوتك إنت، إحنا برضه بلد الجدعنة، العربية دهست الواد من هنا والتلاميذ رفعوا قميصه بالدم، والخلق تقولش اتجننت، هجمت على عربيات الإنجليز فرتكتها، وبقوا يرموا جتتهم على مدافع الإنجليز، تقولشي مدافع حلاوة!
- أنا شخصيًّا أعتقد إن المظاهرة دي كانت مرحلة جديدة من مراحل كفاحنا الوطني، أول حاجة اصطدام مباشر مع الإنجليز، تاني حاجة الجيش امتنع عن تفريق المظاهرة، ومش بس كده، عربيات الجيش كانت ماشية في البلد وعليها شعارات وطنية.
- ثم اشتراك العمال مع الطلبة والشعب كله.
- باقول لك أنا دي بلد الجدعنة، دا حتى النسوان خرجت من بيوتها.. شفت النسوان في باب الشعرية؟!
- المهم السلاح، الرصاص كان نازل من المعسكرات والشعب أعزل، لو كان الشعب مسلح!
- طيب شفت يا ابني الطوب لما نزل على الإنجليز زي المطر، يا خويا أنا باستعجب الخلق جاب الطوب دا كله منين؟!
- طيب ولما ولعوا النار في الحواجز إللي الإنجليز مستخبية وراها!
- الواد من دول كان يقلع جلابيته ويغرقها في البنزين ويولعها النار تشعلل، حتاكل جتته ولا يهمه، ويزحف والرصاص نازل عليه زي المطر ولا يهمه، ويزحف هاجم على...
- الهجوم النهارده ما كانش موجه ضد الإنجليز بس، الهجوم كان ضد الإنجليز والملك وعملاء الاستعمار على العموم، ودي مرحلة جديدة من مراحل الوعي الوطني، دا رأيي أنا شخصيًّا.
- أنا شخصيًّا لو عشت ميت سنة مش حانسى المنظر إللي شفته في سليمان باشا.
- أعلام.. أعلام من دم، دم إللي ماتوا وانجرحوا عشان مصر.
- 23 ماتوا و122 انجرحوا.
***
وبالنسبة لهؤلاء الناس كانت المعركة قد انتهت والمكاسب والخسائر قد تحددت، ولكن المعركة لم تكن قد انتهت بعد، ولا تحددت الخسائر بالنسبة لعائلة محمد أفندي سليمان الموظف بالمالية والذي يسكن بالمنزل رقم 3 بشارع يعقوب بالسيدة زينب.
وفي الصالة على كرسي أسيوطي مواجه للباب الخارجي، جلس سليمان أفندي يتمتم بآيات قرآنية، ويتوقف ما بين الحين والحين ليرهف السمع لخطوات على السلم تقترب من باب الشقة، ويركز عينيه الرماديتين على الباب ويجمد وجهه، ولكن الخطوات ما تلبث أن تتجاوز باب الشقة إلى الأدوار العليا، وتتهدل كتفاه ويشتد وجهه الأبيض شحوبًا وتبدو فيه نقط حمراء ثم يعود يتمتم بالآيات القرآنية.
وفي نافذة حجرة الاستقبال المجاورة للصالة وقفت زوجته، سيدة بيضاء مليحة ممتلئة قصيرة، وقد تدلى نصفها الأعلى من النافذة، وتركز كيانها في عينيها الصغيرتين العسليتين.. عينيها اللتين تدوران في محجريهما إلى اليمين وإلى الشمال، وتمتدان حتى تكادا تخترقان ظلمة الطريق.
وفي وسط حجرة الاستقبال أمام مائدة مستديرة وقفت ليلى، فتاة في الحادية عشرة من عمرها، سمراء، مليئة، ويدها تعبث في حركة آلية بصندوق خشبي للسجائر، وعيناها اللامعتان تنظران بعيدًا.. إلى لا شيء. وطرقت ليلى غطاء صندوق السجائر في عنف، وسارت إلى الصالة في خطوات ثابتة، وجاوزت أباها حيث يجلس، واتجهت إلى باب الشقة ووضعت يدها على المزلاج.
وارتجفت شفتا الأب وشحب وجهه ورفع إليها عينين باهتتين كأنهما عينا ميت، وقال بصوت مختنق:
- رايحة فين؟
وقالت هي بصوت فيه نبرة تحدٍّ:
- رايحة أفتش على محمود.
ولمعت عينا الأب الرماديتان وهلة، ثم أغمضهما وقال في صوت متهالك:
- امشي ادخلي جوَّه.
وعزز كلامه بإشارة من يده وكأنما شعر بضعفه.
واقتربت منه ليلى، ووقفت إلى جانبه، وأرادت أن تقول له شيئًا ولكنها لم تستطع، ومدت يدها تريد أن تضعها على كتفه، ولكن يدها وقفت في منتصف الطريق وبقيت وهلة مُعلَّقة في الهواء ثم سقطت إلى جانبها.. وجرت ليلى والدموع تغطي عينيها إلى أمها في حجرة الاستقبال، وأمسكت بذراعها وهمست:
- ماما.. ماما.
وارتجفت الأم وكأن تيارًا كهربائيًّا قد مسها، واستدارت وقد ارتسم الرعب على وجهها تقول في صوت ملهوف:
- إيه؟ فيه إيه؟
- ما تخافيش يا ماما، ما تخافيش. أنا عارفة إن محمود بخير. دلوقتي ييجي، ضروري ييجي، ضروري ضروري، الصبح...
وخنقتها الدموع ولم تستطع أن تُكمل.
وتململ أبوها في جلسته...
- الصبح، الصبح قلت له: «ما تخرجش يا محمود». وعند الباب وقف.. «ما تخافش يا بابا، دي مظاهرة سلمية». «يعني المظاهرة مش حتقوم من غيرك؟». وضحك محمود وقال: «طيب يا بابا لما كل واحد يقول كده، ما هي ما تقومش فعلًا». «إنت صغير، لما تبقى تروح الجامعة ابقى اعمل إللي إنت عايز تعمله». «أنا مش عيل، أنا في رابعة ثانوي، وعندي النهارده 17 سنة».
وجز الأب على شفته السفلى بأسنانه، لو ضربه، لو حبسه، لو رماه في حجرة وأخذ مفتاحها لعرف مكانه الآن على الأقل. لو بلغ البوليس الآن لقبض عليه، ولو قبض عليه.. إنه صدقي، صدقي باشا الذي يدفن الناس أحياء! ولكن ماذا يعمل؟ قد يكون مجروحًا.. قد يكون...
ودمدم الأب وهو يخزي الشيطان.
وبدأت الساعة المُعلَّقة في الصالة تدق، والأم تنصت لدقاتها، وتنفسها يكاد يتوقف، وأعلنت الساعة السابعة، وجمدت الأم في مكانها لحظة ثم اندفعت إلى الصالة ووقفت أمام زوجها تنظر إليه بعينين زائغتين وتقول:
- الولد راح! راح خلاص! راح!
وهي تضرب كفًّا بكف دون أن يسمع للضربة صوتًا.
وفجأة اكتسبت ملامحها اللينة الضعيفة صرامة غريبة وهي تقول:
- إن ما كنتش حتنزل...
وماتت الكلمات على شفتي الأم، وقام الأب من مكانه مضطربًا.. على السلم اتضحت خطوات، خطوات أكثر من شخص، خطوات ثقيلة بطيئة، خطوات تزحف.. وجرت ليلى إلى الباب وخلفها الأب واندفعت إلى السلم وصرخت:
- محمود!
وفقدت الأم توازنها وكادت تسقط ولكنها استندت إلى حافة المقعد.
وعندما دخل محمود مستندًا إلى كتف عصام سقطت على الأرض مغشيًّا عليها.
***
وفي صباح اليوم التالي طلبت ليلى أن ترى أخاها قبل أن تذهب إلى المدرسة، ونظرت إليها أمها بعينين حمراوين منتفختين نظرة غريبة وكأنها تخفي سرًّا، وأخبرتها بصوت هامس أن محمود ما زال نائمًا، وانزعجت ليلى من نظرة أمها وطريقتها في الكلام:
- فيه إيه يا ماما؟
ومالت الأم على ليلى وقالت بنفس الصوت الهامس وقد جمدت عيناها وكأنها ترى مسدسًا مصوبًا إليها:
- رصاصة، رصاصة دخلت في فخده!
- طيب ما أنا عارفة.
وتدخل الأب في المناقشة والصابون يغطي وجهه، وقال وهو يوجه الكلام إلى الأم:
- حاكم إنتِ تحبي تهولي كل حاجة، قلت لك الدكتور قال إنه جرح بسيط.. خدش.
وأشاحت الأم بيدها تستبعد كلام الأب، وسارت تصرف شؤون البيت على أطراف أصابعها والنظرة الغريبة في عينيها وكأنها تخفي سرًّا.
وهزت ليلى كتفها، ووقفت أمام باب الشقة في انتظار ابنة خالتها جميلة التي تسكن في الدور السابع من نفس العمارة، وفتحت ليلى الباب عندما لمحت يد جميلة تمتد من خلف الزجاج لتضرب الجرس، وخرجت وأقفلت الباب خلفها في بطء وحرص شديدين.
وعلى السلم قالت جميلة:
- مالك يا ليلى؟
- مفيش.
- لا والنبي صحيح.
وخرجتا إلى الشارع في طريقهما إلى المدرسة، وقالت ليلى:
- أما امبارح كان يوم!
- ليه؟ كان فيه إيه؟
وضربت ليلى على صدرها بيدها وهي تقول:
- هوَّ عصام ما قالش؟
وقالت جميلة في انزعاج:
- قال إيه؟
وشردت عينا ليلى في حركة تمثيلية وهي تقول في صوت هامس:
- على إللي حصل لمحمود، محمود أخويا.
وتوقفت جميلة وقد بلغ بها الانزعاج أقصاه، وقالت:
- ماله؟ ماله محمود؟
وجمدت عينا ليلى كأنها ترى مسدسًا مصوبًا إليها، ومالت على جميلة وهي تقول بصوت هامس وببطء:
- رصاصة.. رصاصة دخلت في فخده!
وسقطت الحقيبة من يد جميلة، ونظرت إليها ليلى لحظة ثم تابعت المشي، وجرت خلفها جميلة وأنفاسها متقطعة:
- رصاصة! والرصاصة دي جت له ازاي؟
ورفعت ليلى رأسها:
- الإنجليز ضربوه.. ضربوه عشان وطني، عشان بطل!
- ضربوه؟ ضربوه فين؟!
- هوَّ إنتِ ما تعرفيش حاجة أبدًا يا جميلة! في المظاهرة بتاعة امبارح في ميدان الإسماعيلية.
- والدكتور قال إيه؟ مش يمكن حاجة بسيطة؟
وأرادت ليلى أن تخبر جميلة بما قاله الطبيب وبما أكده أبوها، ولكنها رأت نظرة الخوف في عينيها والإكبار، وبدلًا من أن تقول الحقيقة قالت وهما تدخلان باب المدرسة:
- حيقول إيه؟ رصاصة!
رصاصة.. وطني.. مظاهرة.. وانتشر الخبر في المدرسة، ووجدت ليلى نفسها وهي التلميذة في أولى ثانوي موضعًا للاهتمام والإعجاب طول النهار. البنات الكبيرات يلتففن حولها، والمدرسات يستوقفنها في الممرات يسألنها وتجيب. وانتشت ليلى وانطلقت، انطلق خيالها: «اسمه؟»، «محمود سليمان». «عمره؟»، «17 سنة». «وما راحش المستشفى ليه يا ليلى؟»، «يروح المستشفى ازاي، دا يقبضوا عليه». «أمال عمل إيه؟»، «ساعة ما انجرح برضه فضل يضرب في الإنجليز، يضرب والدم ينزل منه، صاحبه يقول له: «كفاية، مفيش فايدة». وبعدين فضل وراه لغاية ما جرجره على بيته في عمارة «أسترا»، وجاب له دكتور قريبه عشان ما حدش يعرف، وفضل مستخبي لما الدنيا تضلم، لو كان خرج في النور وهو مجروح كده.. يا خبر!».
وفي نهاية اليوم الدراسي كان محمود أسطورة في المدرسة، كان هو الذي أشعل النار في العربات الجيب، وفي الحواجز التي اختفى خلفها الإنجليز. وهو... وهو...
***
وشعرت ليلى وهي تخرج من باب المدرسة بأسف لانتهاء اليوم الدراسي. وعند الباب استوقفتها عنايات وهي تشد على خصرها النحيل حزامًا من الجلد الأسود وترسل شعرها في خصلات على جبينها.
وتورد وجه ليلى.. كانت كل فتاة في فصلها تتمنى أن تكلمها عنايات.
وقالت عنايات وهي تعبث بطرف حذائها العالي في الرمل:
- محمود أخوكي شكله إيه يا ليلى؟
وبدا الارتباك على وجه ليلى، وقالت عنايات:
- يعني أسمر، أبيض، طويل، قصير؟
- لا هو أسمر ولا أبيض، ولا هو طويل ولا قصير.
وضحكت عنايات ومالت برأسها إلى كتفها:
- حلو!
واحمر وجه ليلى ثم رفعت وجهها مبتسمة في تحدٍّ:
- زي القمر.
ولتدلل على كلامها أبرزت صورة محمود من الحلية المُعلَّقة في صدرها.
ودرست عنايات الصورة في تمعن ثم ضمت شفتيها وقالت:
- مش بطَّال، جذَّاب.
وأخذت ليلى الحلية ولبستها في رقبتها وهي تنظر إلى الأرض، ثم رفعت رأسها فجأة:
- حاقول لمحمود، عنايات بتقول عليك جذاب.
- وهوَّ محمود يعرفني منين؟
- كل طلبة الخديو إسماعيل بيعرفوكِ، وكمان بيقولوا إنك ملكة جمال السَّنية.
وضحكت عنايات في رضا، ثم قرصت خد ليلى:
- إوعي يا ليلى.. أحسن أزعل منك.
ودبت ليلى على الأرض بقدمها:
- حاقول، حاقول.
وانطلقت تجري إلى البيت واندفعت إلى حجرة محمود:
- محمود...
***
ولم تكمل، شعرت أن الجو مكهرب، كان محمود نائمًا على جنبه مواجهًا للحائط وعيناه مسمرتان عليه، وكأنه لم يتحرك منذ الأمس، لم يغير موضعه. وعصام ابن خالتها يجلس على حافة السرير وهو يحك ذقنه بيده، وإلى جانبه وقفت أمها وفي يدها كوب من الليمون. وقالت الأم:
- قوم يا ابني، قوم بل ريقك.
ولم يبدُ على محمود ما يدل على أنه قد سمع.
وتقدمت الأم ووضعت الليمون على مائدة قريبة، ومالت على السرير ومدت يدها تتحسس جبين محمود:
- مالك يا ابني؟ طمني؟ فيك إيه؟ حاسس بإيه؟
واربد وجه محمود وقال دون أن يستدير:
- مفيش.
- مفيش ازاي؟
والتفتت الأم إلى عصام:
- عاجبك الحالة دي يا عصام! أهو من ساعة ما جه وهوَّ مكتوم الكتمة السودة دي!
وفجأة استدار محمود على السرير وجلس وواجه أمه وهو يصيح بصوت أعلى من صوته، صوت يجد صعوبة في إخراجه من حنجرته:
- عشان إيه الدوشة دي؟ عشان إيه؟ قلت لك خدش، لعب عيال.. لعب عيال!
وانهار صوته وهو يكرر الكلمتين الأخيرتين وسقط على ظهره منهكًا، ورمقته أمه لحظة.. كان وجهه شاحب البياض وعيناه الخضراوان واسعتين لامعتين كأنه محموم، وحبات العرق تتجمع على جبينه.. وفتحت الأم فمها لتقول شيئًا ثم أطبقته واستدارت خارجة، وعندما وصلت إلى الباب قال محمود بصوت ضعيف:
- ماما.
وعادت الأم ووقفت على مبعدة منه، وجلس محمود في السرير وأشار لها أن تقترب، وعندما أصبحت على مقربة منه مال عليها بوجهه وكأنه يسر لها بشيء، وقال بصوت هامس:
- عارفة، عارفة لما تدبحي الفرخة، والدم يسيح والفرخة ترفس دقيقة، دقيقة واحدة وتسكت على طول.. تخلص؟
واربدت عينا محمود وانقلب وجهه ونزل بقبضته على المائدة المجاورة للسرير وهو يقول بصوت يختلط به العويل:
- ناس كتير ماتوا! ماتوا بالشكل ده!
وقالت أمه:
- أحسن لك تنام شوية يا محمود.
ومدت يديها إلى كتفيه تريد أن تساعده على الاسترخاء، ونحى هو يديها عنه في بطء وعيناه تبحثان عن عيني عصام:
- ليه؟ ليه يا عصام؟
وهز عصام كتفه وقال بصوت هادئ:
- ليه إيه؟
وهز محمود رأسه لحظة وكأنه يفيق من كابوس، وأسند رأسه إلى ظهر السرير وقال:
- مفيش.
وخرجت الأم من الغرفة، وحلت ليلى محلها إلى جانب المائدة المجاورة للسرير، ووقفت تنظر إلى محمود في وجوم.
وساد السكون لحظة ثم قال عصام:
- يعني مش عايز تتكلم!
- وإيه الفايدة؟ لو قلت لك مش حتفهم، إنت راجل كلك عقل وحكمة واتزان.. راجل ما يندفعش، ما يضعفش.
- بلاش تريقة وحياة أبوك!
وابتسم محمود ابتسامة خفيفة وتسللت الحمرة إلى وجهه وهو يقول:
- إنت عارف يا عصام أنا حاسس بإيه؟ أنا حاسس كأني انضربت علقة، علقة حامية، وما قدرتش أضرب إللي ضربني، ما قدرتش حتى أصرخ!
وارتجفت شفتا ليلى، وتقلص وجهها تقلصات متتالية كأنها تعاني ألمًا داخليًّا، وقال عصام:
- يوم ما حيكون السلاح في إيدنا مش...
وقاطعته ليلى صارخة:
- محمود...
واندفعت إلى أخيها، وقالت في صوت باكٍ وهي تهز كتفيه:
- محمود.. إنت إللي ضربت الإنجليز مش همَّ إللي ضربوك.. إنت.. إنت يا محمود!
ولم يجب محمود، واستدارت هي برأسها إلى عصام ويداها على كتفي محمود، وقالت في استعطاف:
- عصام، محمود هوَّ إللي ضرب الإنجليز، مش كده يا عصام؟
وقال عصام وهو يبتسم باستخفاف:
- ودي عايزة كلام!
ولم تقتنع ليلى، استدارت إلى محمود وقالت بصوت مختنق:
- إنت، إنت يا محمود إنت.
وحاول محمود أن يتجنب عينيها ولكنهما واجهتاه وفيهما مزيج من الأمل واليأس المميت.. ودفن رأسها في كتفه، وقال وهو ينظر بعيدًا:
- أيوه يا ليلى.. إحنا إللي ضربنا الإنجليز.
وضحكت ليلى على كتفه ضحكات متلاحقة مختلطة بالنشيج، ثم رفعت رأسها مبتسمة وقالت والدموع تلمع في عينيها:
- أنا عارفة.. عارفة كده، وكمان قلت لهم في المدرسة.
وقال محمود:
- قلت لهم إيه؟
- كل حاجة.. والمدرسات مبسوطين منك و...
ووضع محمود يده على فمها، ونحت ليلى يده وهي تضحك وتقول في خبث:
- وحتى عنايات بتقول عليك حلو!
وحاول محمود أن يكتم ابتسامته.
وقال عصام:
- عنايات! عنايات مين؟
والتفتت إليه ليلى ويداها ما زالتا تحيطان بكتفي أخيها:
- يعني مش عارف عنايات.. ملكة جمال السَّنية؟!
وقال عصام:
- يا ابن الإيه! عنايات حتة واحدة!
وغرق محمود في الضحك. وشعرت ليلى أن مهمتها قد انتهت، فنزلت من السرير واندفعت تجري، واستوقفها محمود عند الباب:
- ليلى.
- أفندم.
- أولًا إنت كدابة.
- كدابة! كدابة ليه؟
- يعني، يعني.. عنايات حتشوفني فين عشان تقول عليَّ حلو ولَّا وحش؟
وأخذ عصام يرقبهما وقد علت شفتيه ابتسامة ماكرة.
وقالت ليلى وهي تشير إلى الحلية في صدرها:
- شافت صورتك دي.
وبدأ الاهتمام في عيني محمود:
- وريني كده.. أنهي صورة دي؟
وتركتها بين يديه، يفحصها باهتمام.
واتسعت ابتسامة عصام، ووضع يده على فخذ محمود وقال:
- محمود.
والتفت إليه محمود ويده اليسرى ممسكة بالحلية:
- أيوه يا عصام.
- إيه أخبار العلقة دلوقت؟
ولكز محمود عصام بقدمه وترك الحلية تسقط من يده على الأرض، وركعت ليلى على ركبتيها وانحنت بجسمها لتلتقط الحلية، والتقطتها ثم رفعت جسمها لتقوم، وحين أصبح رأسها بحذاء رأس محمود توقفت ولمعت عيناها وكأنما خطرت لها فكرة رائعة، وقالت:
- أنا كمان لما أكبر حاضرب الإنجليز.. حاضربهم بالسلاح.. لما أكبر.
وقال عصام:
- ودي عايزة كلام.
ونهضت ليلى بسرعة، واتجهت خارجة وهي تقفز قفزات رتيبة كما يفعل المتظاهرون، وترفع يدها اليمنى وتخفضها وتقول منغمة:
- السلاح السلاح.. نريد السلاح.
وفجأة تسمرت في مكانها وسقطت ذراعها إلى جانبها وماتت الكلمات على شفتيها.. اصطدمت بأبيها وهو يدخل الحجرة.
***
وبعد أيام قليلة عادت الحياة تجري مجراها العادي، وتشغل كل فرد بمطالبها اليومية، وبدا الناس كما لو كانوا قد نسوا ما حدث، ورجع محمود إلى مدرسته ولم يعد أحد يسأل ليلى عنه ولا عن المظاهرة. وأحست ليلى بمرارة في بادئ الأمر ثم بدأت تنشغل بأمورها الخاصة هي الأخرى.
وفي ذلك الصباح استيقظت مبكرة كعادتها لتقرأ الجريدة قبل أن يستيقظ أبوها وأخوها، وجلست على المقعد الأسيوطي في مواجهة باب الصالة وعيناها تنتقلان بين عتبة الباب والساعة، واندفعت الجريدة من تحت العتبة. وحين فرغت ليلى من قراءتها كانت الساعة السادسة والنصف ولم يستيقظ أحد بعد، لا أبوها ولا أخوها محمود.
وقامت وهي تتمطى في ارتياح، وألقت بالجريدة على المقعد، وقبل أن تصل إلى غرفتها رجعت وأعادت طيها ومرت بأصابعها على أطرافها وهي تجز على شفتها السفلى غيظًا لاضطرارها إلى ذلك العمل خوفًا من تعليقات أبيها. وأسرعت إلى غرفتها تسدل على جسمها مريلة المدرسة، وتبحث محمومة عن الشراب والحذاء تحت السرير والدولاب، وتمشط شعرها الأسود القصير وهي تضع قدميها في الحذاء، وتخطف كتابًا من على المائدة وآخر من تحت وسادة السرير وتلقي بهما في حقيبتها الجلدية، ثم تندفع إلى حجرة الطعام وكأن إنسانًا يطاردها، ولا تتوقف حين تصطدم بأخيها محمود ولكنها تبطئ خطاها حين ترى أباها يقف أمام الحوض يحلق. وتضع على شفتيها ابتسامة مؤدبة:
- صباح الخير يا بابا.
ويدمدم أبوها بشيء غير مفهوم وهو يلقي برأسه إلى الخلف يزيل بآلة الحلاقة شعرات في رقبته.
وما إن تختفي خلف باب حجرة الطعام حتى تصرخ تطلب الأكل، وتنظر إليها أمها:
- الفول لسه ما جاش.
ولا تثبط من همتها نظرة البرود التي تطالعها بها أمها.
- أي حاجة.
- ملحوقة على إيه؟ الساعة لسه سبعة والجرس تمانية ونص!
- والمشوار؟
- عشر دقايق.
- أنا عايزة آكل والسلام.
وتنتزع مقعدًا من على المائدة وتغرسه في الأرض بقوة، وتجلس وتبسط قطعة من الجبن في نصف رغيف من العيش وفوقها طبقة رقيقة من المربى، وتقضم من الساندويتش قطعًا تجد صعوبة في ابتلاعها لتخرج مسرعة إلى المدرسة، وتقذف بحقيبتها على العشب وتنضم إلى زميلاتها، ثم يدق الجرس وتستعيد بعد طول بحث حقيبتها لتدخل حصة الحساب.
***
وتجلس على مقعدها، وتضع ذراعها على الدرج وتسند إليها وجهها وقد تعلقت عيناها بيد المُدرسة وهي تكتب على السبورة... ضروري ضروري تفهم كل كلمة وكل عدد، ضروري. أبلة نوال قالت إنها بقت أحسن في الحساب ولكن لازم تبقى أحسن وأحسن، أحسن واحدة في الفصل عشان أبلة نوال تحبها، ضروري تحبها ضروري.
وكانت هذه هي الضرورة الوحيدة في حياة ليلى في هذه الفترة، ضرورة التغلب على هذه المُدرسة النحيلة التي تشد شعرها وتجمعه خلف رأسها، وتلبس ملابس شبيهة بملابس الرجال، وتركز عينيها الصغيرتين المستديرتين فيك وكأنها تستطيع أن تنفذ إلى أفكارك، وتختفي شفتاها الرقيقتان وهي تكتم ابتسامتها.
وفي أول السنة وضعت ليلى على شفتيها ابتسامة مؤدبة، وجلست في حصة الحساب وقد ربعت ذراعيها، وتجاهلت همسات عديلة التي تشاركها الدرج، بل ذهبت أكثر من ذلك واكتفت بأن تجز بأسنانها على شفتها السفلى حين لكزتها عديلة بقدمها، كل ذلك وأبلة نوال ولا هيَّ هنا. وفي آخر الحصة انتظرت ليلى حتى فرغت آخر تلميذة من وضع كراستها على مائدة المُدرسة ووضعت كراستها وسوت كومة الكراريس واستعدت لتسير بها إلى حجرة المُدرسات خلف أبلة نوال، ولكن أبلة نوال ضغطت على شفتيها وأخذت منها الكراريس بعد أن شكرتها. وتحيرت ليلى من هذه المُدرسة الغريبة التي ترفض أن تحمل تلميذة كراريسها. ولكنها لم تيأس، فهناك طريقة تنجح دائمًا، فأنت تعطي المُدرسة وردة جميلة، وحين تدخل حجرة المُدرسات بأي حجة تجد المُدرسة وأمامها الوردة في كوب، وتعرف حينئذ أن ارتباطًا ما قد بدأ بينك وبينها. ألم تحتفظ بالوردة، وردتك في الكوب أمامها؟ ولكن أبلة نوال لم تحتفظ بالوردة في الكوب، ولم تخرج بها حتى من الفصل... أخذتها نفيسة، نفيسة ذات الأنف الأفطس والشعر الأكرت. بدأ كل شيء طبيعيًّا ثم تحول، في أول الحصة أعطت ليلى الوردة للمُدرسة، قربت أبلة نوال الوردة من أنفها وشمتها ثم وضعتها في عناية على كراسة التحضير، ووقفت تكتب مسائل الحساب على السبورة، وقبل أن تكمل كتابة المسألة الأولى استدارت فجأة وواجهت الفصل:
- أول واحدة حتحل المسألة دي حتاخد مني الوردة.
وأخذتها نفيسة، وجمد وجه ليلى وقررت أن تخاصم أبلة نوال وخاصمتها فعلًا، ولكن حدث في البيت ما جعلها ترجع عن قرارها، طلبت منها أمها أن تناولها المنبه لتملأه فسقط منها المنبه وتحطم زجاجه، تحطم كما تحطمت الزهرية الخضراء ذات الورد الأبيض، وكما تحطمت العروس التي تفتح عينيها وتقول: «ماما»، وكما يتحطم في البيت كل شيء، كل شيء في يديها. وصرخت أمها صرخة طويلة وكأن حريقًا شب في البيت، واتجهت نحوها وقد احمر وجهها، وضربتها على كفيها ثم مسحت العرق من على جبينها وهي تقول:
- لكن أعمل إيه، أعمل إيه في بختي المنيل، ربنا شقيك من كله، ربنا ياخدك أحسن ويريحنا.
وأنهى أبوها الموضوع، وقف على باب حجرته هادئًا وقال بصوت قاطع وبلا غضب:
- أنا قلت إن دي مش بنت.. دي فتوة!
ثم دخل غرفته وأقفل وراءه الباب.
***
ووقفت ليلى أمام المرآة البيضاوية في حجرتها وأخرجت لسانها ثم أخذت تحركه في حركة دائرية حول شفتيها.
- بنت.. بنت.. بنت ظريفة.
أبلة الناظرة قالت في الحوش وقرصتها في خدها، أبلة الناظرة بتحبها وأبلة زينب وأبلة زاهية وأبلة رتيبة وكل المُدرسات.. كل المُدرسات إلا... وسحبت ليلى لسانها وأطبقت فمها.. إلا أبلة نوال، ضروري، ضروري كل واحدة في المدرسة تحبها، ضروري أبلة نوال تحبها، وأغمضت عينيها وأدارت ظهرها إلى المرآة.. رأت نفيسة تقرب إلى أنفها الأفطس وردة حمراء - ثم خطرت لها فكرة وأسرعت إلى حقيبة كتبها وأخرجت كراسة الحساب والكشكول وقلم رصاص وانبطحت على الأرض وفتحت الكراسة من أولها.
وبدأت محاولة عنيفة من جانب ليلى للتغلب على الأرقام.. أرقام عارية تقفز أمام عينيها بلا معنى، تتفرق وتتجمع، وتتضاعف وتنقسم ثم تواجهها بالحل يحدق فيها.. أبلة نوال قالت: «استعملي عقلك»، ولكن في الحساب عقلها جامد لا يمشي، في الإنشاء العربي يمشي عقلها، كلمة تجر كلمة وجملة تجر جملة وتسرع يدها تلاحق عقلها، وهي طائر يحلق في السماء عاليًا فوق كل الطيور ويعود إلى العش بالحب لطيوره الصغيرة يحيطها بجناحيه ويدفئها، وهي طفلة تائهة في الطريق بين ناس غرباء ينظرون إليها ولكنهم لا يرون دموعها، وهي «مدام كوري» وبطل يحطم قضبان السجن لينقذ شعبه من الاستعمار، وهي كل هذا وأكثر من هذا، أو هي على الأقل معهم. أما في الحساب فهي مع بقال يبيع سكرًا ويشتري زيتًا، ومع صنبور يقطر في الدقيقة عددًا من قطرات الماء، ومع حوض يمتلئ بهذه القطرات، ومع أرقام تقفز أمام عينيك بلا جمال ولا معنى. معنى أو لا معنى، من الضروري أن تفهم كل كلمة وكل حرف. وبدأت تتغلب على الأرقام، تجمع خيطًا من هنا وخيطًا من هناك وتلفها وتمسك بها بين قبضتها في فرح. وبدأت تتقدم وأبلة نوال تشجعها خطوة وراء خطوة حتى لم يتبق أمامها إلا نفيسة، فما زالت نفيسة تحل المسائل قبل أن تحلها هي، وما زالت درجات نفيسة في الكراسة أحسن من درجاتها. وتركز كيان ليلى في هذه الفترة في محاولة التغلب على نفيسة.
***
وقامت نفيسة ترد على سؤال لأبلة نوال، قامت في بطء، وتكلمت في بطء، وأجابت الإجابة المطلوبة لا أكثر ولا أقل.. هل يمكن أن تسبق نفيسة؟ إن نفيسة قوية في الحساب، طول الدراسة الابتدائية وهي أقوى منها بمراحل، فهل يمكن أن تسبقها في حساب أولى ثانوي وحساب أولى ثانوي صعب، وهيَّ ضعيفة، ضعيفة في الحساب وفي كل شيء؟
ووجهت أبلة نوال لليلى سؤالًا مفاجئًا، وتلعثمت ليلى ثم أجابت. وجلست وانصرف اهتمامها إلى حل مسائل الحساب، وساد السكون الفصل وأبلة نوال تمر بين الصفوف تقرأ الحلول من فوق رؤوس الطالبات.
وحين وقفت أبلة نوال إلى جانب ليلى أطرقت برأسها وبقي القلم مُعلقًا في يديها وكأنها تفكر. وقرأت أبلة نوال الحلول وضمت شفتيها ومالت على ليلى:
- بقينا هايلين خالص.
والتقت عينا ليلى بعيني أبلة نوال وهي تميل عليها، وشعرت بشيء يقف في حلقها وابتلعت ريقها في صعوبة. ومدت أبلة نوال يدها تثير شعر ليلى وكأنها تمشطه من أسفل إلى أعلى ثم مضت في طريقها.
ومدت ليلى كفيها إلى رأسها تسوي شعرها ولكنهما جمدتا لحظة في مكانهما وطفرت الدموع إلى عينيها، وأدركت أنها تستطيع أن تسبق نفيسة وعشرًا مثل نفيسة ما دامت أبلة نوال معها.
***
وقفت ليلى بعد انتهاء اليوم الدراسي تحت شجرة الجميز في المدرسة، وعلى المقعد الخشبي المواجه لها جلست جميلة وإلى جانبها على العُشب سناء وفي الوسط وقفت عديلة.
كانت عديلة تُقلد مُدرسة اللغة الإنجليزية، تضغط خديها ويتصلب جسمها وتمشي جامدة دون أن تحرك ذراعيها وترفع ساقًا في حركة عمودية إلى أعلى ثم تسقطها لترفع الأخرى، ويخرج صوتها غائرًا وكأنها دمية خشبية. وغطت جميلة وجهها بيديها وهي تضحك، ومالت سناء تسند بطنها بيدها، وتكورت وجنتا ليلى وضاقت عيناها واندفعت الضحكات من فمها في موجات تتابعت ثم تلاحقت وتشابكت حتى كادت تحول بينها وبين التنفس. وأولت ظهرها إلى زميلاتها وهي تستند إلى شجرة الجميز لتستجمع أنفاسها، وأخرجت المنديل من جيبها لتجفف دموعها، ووقفت يدها في الهواء قبل أن تصل إلى عينيها.
أدركت فجأة أن عديلة قد بدأت جملة ولم تكملها، وأن الضحك قد توقف، وأن شيئًا ما قد حدث، شيئًا غير مرغوب فيه.
واستدارت ليلى تواجه زميلاتها.
كانت سناء قد أرخت عينيها إلى الأرض وراحت تقتلع العُشب بسرعة، ما تكاد تفرغ من اقتلاع قبضة حتى تقتلع غيرها وكأنها مكلفة بذلك العمل. وكانت جميلة تنظر ساهمة إلى الأفق البعيد.
وقالت عديلة:
- إيه الأحمر إللي في مريلتك يا ليلى؟
وأدارت ليلى رأسها وجذبت ظهر المريلة إلى الأمام، وقالت وقلق بسيط يتسلل إليها:
- ضروري حبر.. حيكون إيه يعني؟
وهزت جميلة رأسها تنفي هذا الاحتمال، ونظرت إلى ليلى نظرة طويلة، نظرة حزينة. واندلع خوف غامض في جسد ليلى، وهمت بالاندفاع إلى أحضان جميلة ولكنها لم تندفع، لمحت في عيني عديلة نظرة ساخرة متعالية، وجمدت مكانها.
وقالت عديلة وهي تبتسم في استخفاف:
- مبروك يا ست ليلى، بلغتِ.
وسحبت جميلة ليلى برفق، وفي دورة المياه قطعت البقعة الحمراء من مريلتها بموس.
وحين رأت أم ليلى المريلة قالت:
- طيب يا بنتي ما غسلتيش البقعة ليه بدل ما تقطعي المريلة؟!
ولكن الأم لم تعنف ليلى هذه المرَّة.
***
اعتدلت ليلى في سريرها في بطء وحرص شديدين وكأن جسدها من زجاج هش سهل التحطيم، ونامت على ظهرها وعيناها تحدقان في الظلام.. غريبة! إنها لم تشعر بذلك الثقل في جسمها قبل أن ترى هذه النظرة في عيني جميلة.. نفس النظرة التي رأتها في عيني أمها.
حدث لها ما حدث قبل أن تكتشف الأمر عديلة، ربما من الصباح، ومع ذلك لم تحس هذا الصباح بتعب في جسمها، بالعكس، شعرت أنها خفيفة، وأنها تريد أن تجري وتضحك وتدفن رأسها في أزهار الحديقة، شعرت أنها قوية وأنها ذكية وأنها تستطيع أن تسبق نفيسة في الحساب.. واكتشفت ليلى فجأة وعيناها تحدقان في الظلام، أن كل شيء قد فقد أهميته.. أبلة نوال ونفيسة والحساب.. كل شيء وكأنما قد حدث لها كل ذلك من زمن بعيد. وأغمضت عينيها وحاولت جاهدة أن تسترجع صورة أبلة نوال وهي تميل عليها، وركزت فكرها حتى شعرت بعرق ينفر في جبينها، ومع ذلك بدت لها الصورة باهتة لحظة واحدة ثم طمست خطوطها صورة شجرة الجميز وجميلة وهي تنظر إليها بعينين تعكسان حنانًا حزينًا.
وقالت ليلى بصوت مسموع:
- ليه يا جميلة ليه؟ أنا عايزة أكبر عايزة أكبر.
وعادت تحدق في الظلام.
تكبر وتصبح مثل أمها، لا، مثل... مثل مفتشة التاريخ ذات الجبين الأبيض العريض، والرأس المرفوع إلى أعلى، والشعر الأسود الطويل الملفوف، والمشية الهادئة كمشية الملكات.
وسمعت ليلى الباب الخارجي للشقة يفتح، وتسرب إليها نور الصالة ثم اختفى حين اتجه أبوها إلى غرفته المجاورة لغرفتها.
عندما عادت من المدرسة كان قد خرج، وعلى المائدة قالت أمها إنه مدعو للعشاء.
سيعرف أبوها الآن، سيعرف حتمًا، ستخبره أمها، ترى ماذا يقول؟ سيفرح طبعًا كما فرح عندما بدأ الشعر ينمو في ذقن محمود.
في الصالة استوقف أبوها محمود، وجذبه تحت النافذة في الضوء، ونظر إليه طويلًا نظرة خُيل إلى ليلى معها أن أباها لم يعد يقف على الأرض بل يطير بمحمود عاليًا. ثم تورد وجهه وضحك ضحكًا طويلًا بلا سبب.
وساد السكون طويلًا خافتًا، وعينا ليلى تحدقان في الظلام وكأنهما تنتظران شيئًا، وسمعت أمها تتكلم بصوت منخفض، وتصلب جسمها حين تبينت اسمها يتردد في الحديث، ثم أطبق الصمت مع الظلام على الحجرة من جديد.
وقطع الصمت صوت نحيب، وقفزت ليلى كالملدوغة من السرير ثم وقفت مُسمَّرة في وسط الحجرة حين عرفت في الصوت صوت أبيها، واختلط النحيب بدعاء يقطعه ما بين الحين والحين صوت أمها هادئًا منخفضًا:
- يا رب تقدرني يا رب، دي ولية يا رب!
- كفاية يا سيدي البنت تسمعنا!
- الستر يا رب الستر!
وانخفض الصوت تدريجيًّا، وأعقبته غصة ثم صمت.
وشعرت ليلى بخواء في صدرها، وسرت الرجفة في شفتيها وفي يديها وساقيها، وانسحب مجرى من العرق من أعلى رقبتها إلى أسفل ظهرها، وتخبطت في الظلام تبحث عن الباب، وهمَّت أن تصرخ تنادي أمها.
- ما تخافيش يا بنتي.
أمها قالت العصر. وماتت الصرخة على شفتيها، وجرت ساقيها إلى السرير، وتمددت على ظهرها.
- ما تخافيش يا بنتي ما تخافيش، إنت كبرت.. كبرت.
وسحبت ليلى الغطاء على جسمها وعلى وجهها حتى طرف رأسها.
***
ولم تفهم ليلى تلك الليلة لِمَ نظرت إليها جميلة هذه النظرة الحزينة ولِمَ بكى أبوها، ولكنها فهمت على مر السنين، فهمت أنها ببلوغها دخلت سجنًا ذا حدود مرسومة، وعلى باب السجن وقف أبوها وأخوها وأمها، والحياة مؤلمة بالنسبة للسجان والسجينة: السجان لا ينام الليل خشية أن ينطلق السجين، خشية أن يخرج على الحدود، والحدود محفورة، حفرها الناس ووعوها وأقاموا من أنفسهم حراسًا عليها. والسجينة تستشعر قوى لا عهد لها بها، قوى النمو المفاجئ، قوى جارفة تسعى إلى الانطلاق، قوى في جسمها تطوقها الحدود، وقوى في عقلها تشلها الحدود، حدود بلهاء عمياء صماء.
ورسم أبوها الحدود العامة وهم جلوس على مائدة الغداء، قال في صوت هادئ قاطع:
- إنتِ ضروري تدركي يا ليلى إنك كبرتِ، ومن هنا ورايح خروج لوحدك مفيش، زيارات مفيش، من المدرسة على البيت!
واتجه بعينيه إلى محمود وأضاف:
- ومش عايز أشوف في البيت روايات ولا مجلات خليعة! فاهم؟
وأطرق محمود ولوى شفته السفلى، وقال الأب في صوت أرق:
- إللي إنت عايز تقراه اقراه برَّه ولَّا اخفيه، أنا مش عايز حاجة تسمم أفكار البنت!
والتقت عينا الأب بعيني محمود في نظرة رجل لرجل، وابتسم محمود ابتسامة من يعرف ويفهم، واستأنف الأب كلامه:
- وكمان يا محمود أنا مش شايف داعي إن أصحابك يزوروك في البيت، يا أخي مش كفاية القهوة والنادي؟
واتسعت ابتسامة محمود:
- كفاية يا بابا! بس المهم عصام، عصام بيذاكر ويايا!
ورفعت الأم عينيها عن الطبق وقد ارتسم فيهما قلق:
- عصام! هوَّ عصام غريب؟! عصام ابن خالتك يا ابني، هيَّ ليلى حتتغطى على ابن خالتها؟!
ومسح الأب فمه بالفوطة:
- عصام معلهش، عصام منا وعلينا.
ولم تقل ليلى شيئًا - لم يكن أحد ينتظر منها أن تقول شيئًا. وبدأ دور الأم. دور لا ينتهي.. حتى أصبحت ليلى تلتفت خلفها كلما سمعت خطوات، تنتظر تعنيف أمها لها عن شيء حدث منها ولا تعرف ما هو، شيء «خارج» أو «ما يصحش» أو «ما يليقش ببنت ناس، بنت محترمة».. الضحكة الطليقة النابعة من القلب خارجة.. «خارجة ليه؟»، «عالية». والكلمة المخلصة الصريحة خارجة.. «خارجة عن إيه؟»، عن الأصول، «فيه حاجة اسمها الأصول».. والقعدة:
- إنت يا تقعدي مجعوصة، يا تحطي رِجل على رِجل؟! الناس تقول إيه؟ «مش متربية»؟
- أنا زهقت من الناس! مش عايزة أشوف حد!
- لأ، ضروري الناس تشوفك. يقولوا: «مستخبية ليه؟ كتعة ولا عرجة!».
وإذا مانعت في الدخول للضيوف اتهمتها أمها بأنها «براوية ما بتحبش حد»، وإذا دخلت لامتها لأنها لا تسامرهم، وإذا تكلمت لامتها لأنها تتدخل في شؤون الكبار، وإن أطالت جلستها أشارت لها بالخروج، وإن خرجت مسرعة قالت لها: «إنت كنت ملحوقة على إيه؟».
- أنا في الحقيقة احترت وياكِ يا ماما، كل حاجة أعملها تطلع غلط في غلط!
- إللي يمشي على الأصول ما يغلطش.
- وإيه هيَّ الأصول دي؟!
- الأصول إن الواحد...
وتضيف الأم حدودًا جديدة، كقطرات الماء تسقط بروي ونظام، يسلب رويها ونظامها النوم من عيني النائم، ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم وسنة بعد سنة.
وسنة بعد سنة نمت ليلى.



بدر الديب: حديث شخصي - أربع تنويعات




بدر الديب
حديث شخصي
أربع تنويعات


ترتيب الغرف

لم أكن أتصور أن حياتي.. أقصد نفسي، ستتغير كل هذا التغيير بعد أن قتلته. ليس هناك حقًّا حياة بعد ذلك، ولكن هناك تلك اللحظات والأيام قبل الإعدام الذي أنتظره.. إنها ملء الحياة، وأيام لا مثيل لها، ولم أعرف من قبل شيئًا يقاربها أبدًا. ولا بد أن يمتلك كل إنسان مثل هذه الأيام ولو مرة واحدة في حياته.. حتى لو كانت قبل إعدامه.
لا بد أن يملك الإنسان هذا الحق في الحديث الشخصي ولو لبضعة أيام، بعدها يصل إلى راحة أخيرة لا تنتهي.
على أبواب الموت، ومع كل هذه الإجراءات والحنان المفاجئ الذي يحيط بي في سجن القناطر، أحس بسعادة غامرة، ولون من النور الأبيض يملأ نفسي ويجعلني أرى في وضوح.. لا.. أنا لا أرى، ولكني أحس أن الأشياء والحقائق تترتب كلها في داخلي كما تترتب غرفة نظيفة مريحة.. أحس أخيرًا وأنا أقترب من الموت - الذي أصبح وقوعه مسألة أيام - أن حياتي فجأة قد أصبحت مفهومة مرتبة، كل شيء فيها له بداية ونهاية، وكل شيء فيها واضح وضوحًا كاملًا كأنني كنت أقصده.. وأقصده كما حدث وكما هو بالضبط.
لست أعيش في ذكريات، ولكن هذه الغرفة الضيقة التي أنتظر فيها الموت هي كل الحياة وكل الزمن وكل ما جرى.. لم تعد هناك محاولات ناقصة أو أسئلة ماكرة، أو لف ودوران على القروش وعلى عواطف الناس، ولم تعد هناك إجابات لم تكتمل أو أمانٍ لم تتحقق أو حتى رغبة في الجسد تريد أن تهدأ أو أن تنتهي.. لقد انتهى كل شيء، أو في الحقيقة أصبح كل شيء شيئًا.
لقد أعطوني هذا الورق وقلمًا لأكتب، فما أكرمهم في هذا السجن وما أطيب قلوبهم!
كنت قد بدأت أحس بالسمنة تُداخل جسدي وتبدو في أعلى فخذي وعلى بطني وعلى جانبي الثديين. كانت هذه السمنة ملحوظة محسوسة لي دون مرآة. وكنت أحس أنها ظلال تمتد من الموت القادم وأنها - كما سمعت كثيرًا - أمر طبيعي يصاحب الأيام الأخيرة للمحكوم عليهم بالإعدام. ولست أدري لمَ تملكتني تلك الرغبة الدافقة الصعبة التي تؤلمني وتوجعني كأنها دماء الطمث، لأمسك هذا الورق والقلم ولأكتب ولأظل أكتب، حتى يحين موعد الموت وتمتد الظلال كلها، ويصبح هذا النور الكبير الواسع الذي لا نهاية له ظلمة أخيرة يقع تحتها كل شيء.. نعم.. كل شيء.. حوادث حياتي كلها منذ أيام أن ولدت هنا في القناطر إلى أن عدت لسجن النساء في القناطر.. نعم، كل شيء.. أبي الشاويش عبد العظيم الذي مات قبل أن أنتهي من سنواتي في الفنون الطرزية، وبيت خالتي في شبرا، الذي ضمني سنوات طويلة وأنا أدرس وأتعلم الخياطة في بيتها وفي المدرسة، في باب اللوق، وكل الزمن.. والعمل كله بعد ذلك.
إن عليَّ أن أحترس من الأشياء؛ فهي موجعة تجرح وهي تهبط من القلم. وبودي أن أدعها تسقط وتقع كما تقع الظلال في البئر.. أو ربما مثل أطفال السقط الميتة.
إنني أتحرك بهدوء وفي سكينة باردة وكأنني قطة وأريد أن أخرج من هذا الإعداد الطويل لتحقيق رغبتي في الكتابة حتى وإن استخدمت السحر والبخور.. وأين أجده الآن؟ وحتى لو ظللت أبدأ، مع كل دقيقة من نيتي ومن رغبتي، ومن تلك الوحدة القصيرة الطويلة، التي أنتظر ولا أنتظر فيها.
لقد رفضت أن أقابل أمي.. ورفضت وأنا أسمع صوت اثنتين من زبائني، كانتا عزيزتين عليَّ، أن أخرج للقائهما. لقد رفضت أن آكل وإن ظللت أمسُّ الأكل وأضعه في فمي وقد أبتلعه، وأنا لا أدري، وكأنني أفكر لا آكل.
إن شيئًا أهم من الصدق وقول الحق يحركني إلى أن تصبح رغبتي وكل حياتي الباقية هي تلك الكلمات. لقد ظللت أقول الحق والصدق أثناء المحاكمة وأنا أخفي مع ذلك كل شيء وأنا لا أقول شيئًا.. وأريد الآن أن أتجاوز هذا بأن أجعل كل ما حدث يحدث، يوجد وأتركه أشياء في غرفة مرتبة.. مغلقة أو سقطت عليها الظلمة.
أحيانًا تنطلق في رأسي كما ينطلق الأرنب الأبيض صورة القناة الصغيرة في القناطر التي كنت أسير عليها وأنا طفلة وأذكر فجأة كل شيء، وكأنما ثبته نور الشمس بالدبابيس. الخضرة والهواء، وأحيانًا عطر الفول أو رائحة البرتقال والنارنج. وفي لحظة يخطر أبي في رأسي بخطوه الواثق الثقيل وهو في حلته السوداء الكثيفة عائدًا إلى البيت يحمل لحمة مذبوحة على الجسر وأحيانًا فراخًا أو بطة حية مربوطة الرجلين مدلاة العنق.
وفجأة.. تذهب الصورة والذكرى وكأنها لقمة قد ابتلعتها دون أن أدري.
وأصمت وأتحسس بيدي جسدي وقد علاه العرق الجامد الجاف وإن لم يُفقد بشرتي نعومتها وبياضها الطري.. وعندما أستعيد بأصابعي راحتي وشيئًا من رضائي عن بدني، أحس أن المشكلة كلها هي أنني امرأة وأن حقي في الحب وفي العمل هو شيء غير مضاف إليَّ. شيء ليس في بدني. وأن عليَّ أن أحارب من أجله وأن عليَّ أيضًا أن أقتل.. وإن كنت لم أجد أحدًا يقبل ما حدث.
هل كان عليَّ فعلًا أن أفعل ما فعلت، أن أقتله.. أن أتركه هكذا عاريًا يتفجر منه الدم وقد غاص المقص الكبير في صدره؟ لقد كان أول ما تفجر في رأسي - بعد أن سكتَ ولم يتحرك إلا بأن يترك الدم يسيل على الأرض حتى قدميَّ وأنا واقفة - أنني قد أصبحت فجأة شوهاء عجوزًا كأمنا الغولة أقف بمفردي على بئر.. ولم يتفجر شيء على الإطلاق في صمتي الكامل إلا تصوري لنفسي وقد ارتديت ثوبًا أسود لأنني قد أصبحت أرملة.
إنني لم أرتدِ هذا الثوب أبدًا.. لقد مات أبي وأنا صغيرة وما زالت أمي في منزلي في باب اللوق وأخي ممدوح الفاسد يواصل حياته الفاسدة في السجن.. وأنا أرملة.. لم ألبس فستانًا أسود.. لماذا يفجر هذا الشعور الدموع من جديد؟ لماذا تتساقط هكذا سريعة لتنفتح البئر من جديد في نفسي؟ ولماذا لا أستطيع أن أمسكها حتى لأرى ماذا أكتب؟
***
هناك فجر في الخارج وأصوات عصافير وبعض شتائم بذيئة وسعال وحركات مسموعة وكلمات من النساء تعودتها وعرفتها وهن يذهبن إلى المرحاض.. هناك خارج غرفتي حركة وحياة وأنا أقوم إلى الورق وكأنما أريد أن أتنفس وأن أسمح لقلبي أن ينبض وأن يدق مع الكلمات.
ليس في الحياة مثل تحرككِ إلى قرارٍ يجعلك تبدئين صفحة جديدة من حياتك.. إنك تصبرين وتترددين وتتجمع لك الجرأة أحيانًا. إنك تعيشين بالظروف وبالمعارف، وتحاولين. ثم تهدئين وتنسين وتعودين كما أنت وتسكتين. ويطلع اليوم ويليه اليوم التالي. ثم تجدين نفسك تغضبين وتتشاجرين وتحسين أن أقاربك وأهلك يسرقونك. فيبدأ جهدك من جديد للوصول إلى قرار تبدئين به صفحة جديدة في حياتك.. وأنا لست أدري لماذا أحدِّث النساء وأنا أريد أن أحدث الناس جميعًا.. هل ليس من حق المرأة أن تصل إلى قرار، أن تقلب بإرادتها صفحة جديدة في حياتها، أم عليها أن تظل دائمًا مأخوذة تتناولها الأيدي وترفعها وتضعها كما تريد وكما تشاء؟ لقد ظلت أمي تتحكم فيَّ، وخالتي، وزوجها، وأولادها، وأخي، وكل أحد آخر.
منذ مات أبي وأنا عند خالتي حتى أكملت سنوات الطرزية، وفي المدرسة وفي البيت كنت أعمل دائمًا لهم. أذاكر لهم. وأعرف ما يلقنونه لنا في المدرسة، لهم. وعندما أعود، أعمل لهم في فساتين الزبونات، كما أطبخ وأغسل وأنتزع القروش لتأخذها أمي أو أخي. إنني أذكر نفسي في المدرسة وقد أعددت شعري ووضعت عطرًا وبودرة خفيفة. وأرى نفسي في الشارع وفي الترام والأتوبيس بين باب اللوق وشبرا وأرى فخذيَّ وقد تعرتا أمام الطشت في الحمام وأنا أغسل وأنفي سائل من البرد وقدميَّ قد وضح فيهما التشقق واختلط جفافهما ببقايا مانيكير في الأصابع.. كنت دائمًا أكثر من واحدة، وكل واحدة لا أملك فيها شيئًا، ولا أكاد أفرقها إلا من المرآة.. لقد ظللت مدفوعة أعمل وأعمل دون أن أجرؤ لحظة على أن أتخذ قرارًا لنفسي إلا أن آكل أو أنام.. وحتى في هذا كانوا يرقبونني وكأنما آخذ شيئًا لا أستحقه.
هل كل البنات والنساء كذلك؟ لقد عرفت الكثيرات والكثيرات جدًّا، عرفتهن جيدًا وعن قرب. سمعت الحكايات والقصص وشهدت أنواعًا من حزنهن وفرحهن، وهذا الدلع الذي تعيشه المرأة وهي سعيدة أو وهي تفترس الرجل. عرفت التضحية التي يقمن بها للأولاد وللآباء وللأزواج. الرعاية للمريض والفلوس للمحتاج والخضوع للرغبة ثم البكاء والبكاء الطويل، وألوان الحيل والأكاذيب التي تصنعها النساء ليخدعن الرجل ليخدمن رجلًا آخر أو ليرضين عشيقًا قاسيًا أو ابنًا لا يرحم. هذا الموكب الطويل من البنات والنساء عرفته وقلبته بيدي وأنا أقيس أبدانهن وأغطي العيوب أو أراهن وهن يحاولن إظهار المفاتن.
كنت أسمعهن وأنا أنظر معهن في المرآة فلا أرى نفسي ولكني أراهن، واحدة بعد الأخرى، وكل ما لهن من حياة، تتركز لحظات طويلة أو قصيرة في المرآة، ثم تذهب لتأتي امرأة أخرى أو بنت.. ولم يكن الفارق كبيرًا أو الواحدة منهن تفرق كثيرًا عن الأخريات.
ولست أدري هل توصلت إلى القرار في بيت خالتي وقد بلغت الثامنة والعشرين لأنني ظللت أراهنَّ هكذا، واحدة واحدة في المرآة، أم لأنني لم أرَ نفسي وأنا أنظر معهن إلى أبدانهن، أم لأنني ظللت أشتغل وأعمل من ساعات الفجر الأولى حتى آخر الليل كل يوم، دون أن أحقق شيئًا لنفسي، أو أجمع من الفلوس ما هو ملكي وحدي.
إن بدني القليل الصغير حي نشيط له مطالبه، ولكنهم كانوا يضعونني مع أمي وبنتين من بنات خالتي في غرفة واحدة في بيت شبرا الضيق، وكان علينا أن نترك فيه غرفة واسعة للعمل وللزبونات عندما يُحضرن الأقمشة والباترونات ويرتفع فيها صوت خالتي معهن وكأنما ليس في البيت أحد آخر، لا زوج ولا عيال ولا أمي.. أما أنا فمعظم وقتي في هذه الغرفة الواسعة.. أخدِّم على خالتي أو أعمل مستقلة وحيدة، بعد أن يذهبن جميعًا، على الماكينة أو بالإبرة في يدي والكستبان.. فإذا ما تساقطتُ من التعب وامتلأت ملابسي بقصاصات القماش ونتف الخيط وأحسست أن فمي قد التوى من طول النظر إلى خيط الإبرة وتتبع ضبطها ومسارها الدقيق، عدتُ إلى غرفة أمي وابنتَي خالتي لأحشر نفسي في السرير مرة مع أمي ومرة مع واحدة من البنتين.
لم يكن أحد منهم يتصور أنني أفكر أو أنني سأصل إلى قرار. كان زوج خالتي أحيانًا يتحدث عن زواجي وعن احتمالاته، وكأنما يريد فقط أن يرضيني ما دام لا يستطيع أن يفعل ذلك بأي شيء آخر. أما أمي فلم يكن في رأسها إلا أن يصبح أخي رجلًا وأن يعمل قبل أن أفكر أنا في شيء مثل ما فكرت فيه، أو قبل أن أنفض يدي من القماش والخيط. وفي كل يوم وفي كل سنة لم يكن أخي يفعل شيئًا إلا أن يسقط في مدرسته الزراعية، وأن يجبرني على أن أسلمه من النقود أكثر مما يأخذ من أمي ليصرفها بعد ذلك على جنونه بالتصوير والكاميرات أو بتعلم البوكس أو على بنات ونساء كنت أراهنَّ أحيانًا أمامي في المرآة. ويمن عليَّ بعد ذلك بأنه يجلب لي زبائن.
كانت خبرتي قد فاقت بكثير خبرة خالتي وقدرتها، بعد سنوات المدرسة. وكنت قد أصبحت المفضلة عند الكثيرات لأقص الفستان ولأختار الباترون وأنواع الزراير والدانتيلا والأحزمة. وأصبحت خالتي خبيرة في تغطية عجزها والتمويه على تفضيل الزبونات لي بأنواع من الثناء تكيلها أمامهن عليَّ، دون أن تُشعرني إلا أنها تروِّج بضاعة.. لها.. وقد تدربتُ على المواجهة لهذه اللعبة المتكررة التي تقوم بها خالتي لسرقة جهدي وعملي، وتعلمتُ كيف أربط الزبونة بي، وكيف أجعلها لا تطمئن إلا إلى أحكامي وأعمالي، ثم أخيرًا كيف أحضر الحساب وأقبض الفلوس لأستخدم نفوذ الزبونة ووجودها لأنتزع من الحساب جانبًا لي.. كانت خالتي «تبرطم» كثيرًا بعد كل مرة وتحاول بعد ذلك أن تحاسب أمي أو أخي أو أن تحاسبني أنا في طلبات البيت الصغيرة على المبالغ التي أخذتها. ولكنني كنت دائمًا أسرع بها في الصباح التالي أو قبل الظهر إلى مكتب البريد لأضعها في دفتر التوفير الذي أحفظه دائمًا - تقريبًا - في صدري.
لم يكن القرار الذي اتخذته غريبًا أو جديدًا على أحد. كم من المرات صرخت وأنا غاضبة أنني «حاطفش»، وكم مرة قلت لأمي علينا أن نخرج من هنا وأن نفتح لنا بيتًا وحدنا. ولكن كانت هذه الكلمات تخرج دائمًا مع الغضب ومع البكاء ومع المعاندة للنفس والتعذيب لها دون أن تصل إلى شيء إلا إلى مزيد من التكرار للأيام ومزيد من الإحساس الدائم بالتربص لهم جميعًا يزداد ويقسو في داخلي. وقد يكون التكرار الممض المؤلم لما تريدين أن تغيريه والتربص المكبوت بمن يفرضونه هما أهم ما يدفعنا إلى القرار وإلى التنفيذ المفاجئ الذي يبلغ حد الخيانة.
إنني لا أستطيع أن أذكر الآن، وقد مر على قراري أكثر من عشر سنوات، كل التفاصيل التي تجمعت لي فجأة عن شقة ثلاث غرف وصالة في باب اللوق، كما تجمعت تلك الجنيهات التي لم تتجاوز المائتين في دفتر التوفير. كنا في بداية الخمسينيات، وكانت القاهرة لم تنفجر بعد عندما أخذتني معها زبونة كانت عزيزة عليَّ، وإن كان يبدو أن لها أطماعًا خاصة فيَّ لم أسمح لها أبدًا أن تُظهرها. وذهبنا إلى شارع فهمي قرب المحطة واستأجرت الشقة باسمي. ولكني ما زلت أذكر تلك الأيام السريعة المتعاقبة التي غيرت حياتي، وأنا أتسلل ساعات من شبرا لأعد غرفة للعمل في الشقة الجديدة، ولأشتري لها بعض ما لا غناء عنه من أدوات العمل والمطبخ، ثم ساعات العمل المتواصل في بيت شبرا، والنبأ الذي أذيعه سرًّا لزبونة بعد أخرى وأنا أفرغ من فساتينها أو من البالطو أو وأنا أصلح لها فستانًا قديمًا. والمرأة مع الفستان القديم تكون أكثر استعدادًا لأن تحكي أسرارها وأن تسمع وأن تعدك بأشياء كثيرة، بل وتكون أكرم في المعونة إذا سألتها ذلك. وعندما استقرت لي مجموعة من المواعيد والوعود أصبح من الضروري أن أواجههم جميعًا بالخبر، وإن أحسست أنهم قد بدأوا يعرفونه ويحسونه في تحركاتي وغيباتي وطريقة تعاملي مع الزبونات.
إن عليَّ الآن أن أنتظر وأن أتوقف؛ فقد دخلت عليَّ الشاويش تحية تحمل لي مزيدًا من الورق والإبرة والخيط والمقص وستجلس معي وأنا أعمل في إصلاح فساتينها القديمة. وستحدثني وستنتظر مني أن أبكي ولكني أسمعها وأجد راحة كبيرة في أن أعمل لها كراحتي تمامًا وأنا أكتب.. وأصمت لتنداح في داخلي بئر الدم الراكد الأسود وأصمت.


قبَّلتني وانصرفت بعد أن بكت هي عندما تحدثت عن يوم الموت وخسارتها هي؛ لأنها أحبتني وستظل تذكرني. وامتلأت نفسي مرة أخرى بهذا الغرور والكبرياء الذي احتفظت به في داخلي، وجعلني دائمًا أحس أنني أفضل مما يراني الناس وأن معظم النساء حولي لا يفهمن كل ما أستطيعه وما أقدر عليه. كان حزنها وعطفها وأنا أعمل لها وهي تستغلني حتى في أيامي الأخيرة، باسم الحب والعطف والتصدق عليَّ بالورق، هو تصرف قد ألفته من الأقارب ومن الزبونات، بل.. وحتى منه.. هو.
وأنا أريد أن أرتب روحي وأن أجعلها لأول مرة واضحة تمامًا مؤكدة في كل تصرف، حتى في جريمتي الأخيرة. ولو أنني بكيت الآن، لو أنني انشغلت بهذا اليوم القادم للإعدام لأصبحَت كل تلك الأيام القليلة الباقية لحظة واحدة يعمى فيها البصر تمامًا عن كل شيء كلحظة وقوفي على البئر تمامًا أو لحظة الموت نفسه. وأنا أريد لمرة أخيرة أن أصبح مرئية بكل ما فيَّ وأن يكون النور الساقط من الكلمات على الناس والأشياء وليس على عينيَّ وبصري.
كنت أتصور أنني قادرة على أن أتوصل إلى حريتي وإلى نفسي بما توصلت إليه من قرار. كنت أتصور أنني لم أجرؤ في حياتي قبل قراري أن أترك شبرا وأن أستقل في شقتي. إنني أبدأ حياة جديدة كلها ملكي وإنني بنفس القدرة التي أقص بها القماش قد صنعت من حياتي شكلًا جديدًا، وإن كل ما عليَّ بعد ذلك أن أزيِّنه وأحليه وأن أضم خيوطه التي قد تريد أن تنسلت بشريط تنظيف «وسير فيليه».
إن أحدًا منهم في شبرا لم يتحرك حركة عملية كاملة لتعطلني. كنت وحدي التي تحركت، أما هم جميعًا فقد توقفوا قليلًا وشتموني ثم غضبوا وحاولوا خصامي. ولم يمضِ أكثر من يومين حتى كانت أمي تسرق من أختها ما ستأخذه إلى بيتنا الجديد. وحتى بدأ أخي يحلم بأنه سيكون له غرفة مستقلة، بل حاول أن يسترضيني ويتعهد لي بأنه سينجح في العام القادم، وأنه لا بد سينتهي من دراسته ليصنع معي لنا حياة مريحة.. أما خالتي فقد استحالت إلى غولة خطرة وبدأت تمضغ سيرتي أمام الزبونات وتلقي عليَّ أوصافًا قاسية قبيحة وتردد أنني بنت فاجرة وناكرة للجميل، أما هن، فكن يضحكن في سرهن ويزددن قربًا مني وتصميمًا على أن ينتقلن معي بفساتينهن وصديقاتهن إلى باب اللوق.
لم أكن قد ذقت من قبل طعم القرار، أي قرار في حياتي. ولم أكن أعرف، بالفعل، أنني أستطيع أن أشكلها وأن أقصها على هواي وحسبما أريد. وقد ظل هذا الطعم والشعور بالاستقلال والقدرة على ممارسة الإرادة سنوات طويلة. في كل يوم كنت أزداد معرفة بعملي وبأخلاق النساء وبأسرارهن، وفي كل يوم كانت شقتي تستكمل أدوات العمل والراحة. ومع كل يوم كان حسابي في دفتر التوفير يزداد. ولم أكن أكبر فقط، ولكنني كنت أزداد تملكًا لنفسي وإحساسًا بأنني صاحبة القدرة على الرفض والقبول، وأن على أمي وأخي أن يستأذنا، وأن يعملا حسابًا لما سأقوله أو سأراه.
كان العمل يملأ حياتي من الصباح إلى آخر الليل. وكنت قد تركت لأمي تمامًا المطبخ والغسيل وحرصت على أن أتزين طوال النهار للعمل وكأنني أستعد للخروج إلى الشارع أو... لا، لم يكن هناك رجل في حياتي إلا أخي. كان يعاكسني أحيانًا ويطري فساتيني وزينتي ويقبِّلني بحرارة على خدي وفمي وهو يريد أن يأخذ مزيدًا من النقود. وكنت أعرف وأسعد أحيانًا وأعطيه، وكنت أحيانًا أخرى أعرف وأغضب وأصر على أن أمنع عنه ما يريد من مال.
لقد انقطعت عني خالتي تمامًا وأولادها وزوجها. كلهم سقطوا في بئر غريبة من الصمت والبعد صنعها قراري دون قصد واضح أو إرادة. لم أكن أريدهم فعلًا أن يتغيروا أو أن يتركونا، ولكنهم لم يكونوا وحدهم الشيء الذي تغير. لقد سكن في نفس أمي شيء، وأصبحَت أكثر هدوءًا وصمتًا مما كانت وهي تستعيد شيئًا فشيئًا طريقة معاملتها لأبي وتعاملني بنفس المعاملة والصوت والرضاء، وتنتحي جانبًا في مناقشة خفية لا أسمعها ولا أعرف موضوعها، مع أخي، تمامًا كما كانت تحدثني في الخفاء في بيت شبرا. أما ممدوح، أخي، فقد كان يكبر فعلًا ويصبح رجلًا وسيمًا مليئًا تكتسب عضلات جسمه فتوة واستدارة من مواصلته للبوكس وممارسته المستمرة له. كان، في الصيف، يفتح باب غرفته فأراه في غرفة العمل. وكنت أرقبه وأنا أعمل وهو يتدرب ليلًا وقد أطفأ الأنوار إلا من نور ضئيل بعيد وأكثر من سيدة وفتاة عندي لا يستطعن أن يمنعن أنفسهن من مشاهدة ظل جسده وقد تعرى إلى نصفه. كان يضرب ظله على الحائط ويكيل ناحيته اللكمات. وكنت أكرر، لمن لا تعرف منهن، كلمة «شادو بوكسنج» التي علمها لي والتي سمعتها أيضًا من أكثر من فتاة وهي تلفت نظري أنها تراه وتهمس لي بالكلمة في لهجة العارف المتذوق لما يفعل. وقد تجرأت إحداهن مرة واقترحت، وهي تضحك وتعاكس الظل على الحائط وتقلده في المرآة، أن أضع هذا الاسم على يافطة مع اسمي على باب الشقة.
كان كل شيء يبدو في هذه الأيام البعيدة وكأنه كامل تمامًا. اسمي على الباب: سميحة عبد العظيم، وأمي في البيت في ثيابها السود تخدمني وتنظر إلي في قلق لا يزعجني، وأخي الفاسد لا تضايقني كثيرًا تصرفاته ومطالبه.
كان العمل قد بدأ يتزايد على قدراتي وبدأت أفكر في الاستعانة بفتيات صغيرات لمعاونتي. وبدأ أخي يحاول أن ينظم علاقته معي وأن يجعل من نفسه مفيدًا نافعًا بعد أن تكرر فشله في المدرسة الزراعية.
ولم يستطع أن يتخلى عن البوكس وعن الكاميرات وتصوير الفتيات. وبدأت أراه يقترح عليَّ أن يشتري لي قماشات من بيروت والسعودية وليبيا. وبدأ فعلًا يحمل لي أنواعًا جميلة ونادرة ويقترح أن نعرضها ونبيعها في الشقة للزبونات الكثيرات. وعلى الرغم من أنني ترددت أول الأمر فإن الزبونات أنفسهن دفعنني إلى القبول وهن يتصايحن حول الأقمشة التي يعرضها عليهن ويتسارعن للاستعداد لشرائها وتقديم النقود له. ولست أدري هل كان هذا قرارًا جديدًا في حياتي أم كان عثرة كبيرة سقطت فيها دون أن أدري. إننا لا نستطيع أن نعلم متى تنفتح فعلًا الأبواب ويمتد أمامنا الطريق، ومتى يكون الذي ينفتح هو بئر وغصة في الروح.
لقد نظَّمت معه مسألة القماش المستورد دون أن أعرف تمامًا من أين يأتي به أو كيف يأتي به؛ فهو يقول إن أصدقاءه كثيرون في النادي وفي محل التصوير الذي يعمل فيه كلما طالت غيبته عن المدرسة أو قرر وأعلن لنا أنه لن يعود إليها. وعلى الرغم من أنني كنت أعرف أن صديقه صاحب محل التصوير هو فهمي عبد الحميد فإنني لم أكن رأيته ولم أكن أتصور أو أعرف أن طريق القماش المستورد سيقودني يومًا ما إلى الجريمة والقتل.
إن دموعًا ثقيلة تتجمع في عينيَّ، وفمي يتحرك بلا إرادة، وشفتاي ترتعشان رعشة لا أستطيع أن أتحكم فيها، وها أنا آكل وآكل من جديد دون أن أدري ماذا أفعل.
ما أكبر هذا الفارق بين الرجل الذي تحبه المرأة ونفس الرجل عندما تقرر أن تقتله! إنني - في هذا الفجر الجديد في غرفتي بالسجن - أحس أن حل اللغز في حياتي وتحقيق هذا الوضوح الذي أريده قبل أن ينتهي كل شيء، يتوقفان على فهم هذا الفارق والإمساك به. إنني أُعمل فكري بقسوة وشدة لأنني أريد فعلًا أن أستريح وأن أفهم. قد يطول بي الأمر، وقد تسبقني الأيام واللحظات الباقية في السجن، وقد تُقدم عليَّ بين الحين والحين الشاويش تحية، فأتوقف، ولكنني ما دمت قادرة لا بد أن أواصل الكتابة وأن أواصل الفهم.
إنني أحس كأنني أبدأ من جديد تمامًا، وأن كل ما كتبته كان مجرد حلم لا أستطيع إلا أن أتذكره وأن أحسه مترسبًا في نفسي دون تحديد ووضوح. أما ما أريده فعلًا فهو هذا القادم الذي يدفعني إليه الإصرار وبقية الكبرياء - بل والغرور - اللذان أعرفهما في نفسي. ولكن هل من الكبرياء أن تغطي المرأة نفسها بالعقارب والثعابين؟ وهل من الكبرياء أن تقطع المرأة طريق الحب والخيانة مرة أخرى وأن تفعل ذلك وهي تتفحص نفسها في خطوة؟ ألم يكن من الأفضل أن يستحيل هذا الجزء من حياتي إلى حلم لا أذكره ولا أعرف خطوطه؟
ولكنني أذكر بالتفصيل كل شيء. أذكر كل معنى وكل خطوة وكل حالة من حالات نفسي منذ أن رأيته أول مرة حتى انتهى الطريق فجأة على جسده العاري إلى نصفه ومقص الخياطة الكبير في صدره والدم يملأ الدنيا سوادًا وفراغًا كفراغ البئر لا رائحة للحمرة أو الدم فيه. إن هذه اللحظة الأخيرة هي دائمًا ما أقاوم السقوط فيه عندما أتذكر بالتفصيل خطوات هذا الطريق.
عندما رأيته أول مرة كنت قد قررت أن أعيد تنظيم الشقة وطلاءها واستخدام قواطيع جديدة في الغرف تسمح بشيء من السعة لعرض الأقمشة وأدوات الزينة التي يحضرها أخي إلى جانب المساحة الضرورية للعمل والبروفات والمانيكانات والمرآة الكبيرة والماكينة الجديدة التي اشتريتها مع كثرة العمل والطلبات. وكان الوقت صيفًا والساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكنت قد جلست على الأرض في الصالة على مدخل البيت مباشرة والباب مفتوح، وحولي جرادل البويه وعلب الزيت وقواطيع صغيرة من الخشب وأنا أحاول أن أجمع ما تبعثر من القماش والأدوات وأن أزيل البقع التي تركها عمال الطلاء على الأرض. وكنت على ركبتي وذراعي وأنا شبه عارية، قد تحرر صدري من السوتيان وليس عليَّ إلا سليب أحمر صغير وكومبينيزون أبيض قصير. كنت أيضًا عارية القدمين محلولة الشعر، وكنت أنوي أن آخذ حمامًا بمجرد أن أفرغ من عمليات التنظيف. كنت مطمئنة أنني وحدي تمامًا وأن أحدًا لن يمر بالباب المفتوح في هذه الساعة المتأخرة من الليل وأخي قد تعود التأخير حتى ساعات الصباح الأولى.. بل قد لا يعود ما دام قد تأخر إلى هذا الحد. أما أمي فكانت في فراشها تسعل أحيانًا وتنادي عليَّ ولكنها لا تتحرك من الفراش بعد جهدها طوال النهار. كنت أعمل وحدي وقد عادت لي أحاسيس جلستي وحدي في حمام شبرا أغسل ملابس العائلة، ولكنني كنت أحس بما حققت من حرية وأنعم بما أنا فيه من عري أمام نفسي حتى وإن كنت مثل الغولة منكوشة الشعر أتصبب عرقًا ولزوجة. إنني أذكر بالتفصيل استغراقي في الحلم بنفسي والراحة إليها وأنا أزيل بقعة عصية من على الخشب، حتى إنني لم أسمع بحركة صعودهما هو وأخي على السلم ولا بوقفتهما المتسمرة على الباب، وهما يحملان لفات من الورق من الواضح أنها لفات طعام. ولست أدري إذا كانت نظراتهما إلى جسدي العاري هي التي جعلتني أنتبه إلى رعشة تمر على ظهري وكأنها أنامل متلصصة أو أنهما قد تحركا فسقط ظلهما على الأرض أمام عيني، ولكني استدرت فجأة وإذا بي أمتلئ بغضب على أخي وكأنه غضب السنين كلها ولا أمسك نفسي عن أن آخذ فرشاة من الجردل وألقيها عليه لتصيبه وأنا أشتمه شتيمة لم أوجهها له من قبل. لم أنتصب واقفة، ولم يتحرك أخي بسرعة ولكنه كان هو الذي تحرك وهو يضمه بذراعه ويدفعه للخروج والاختفاء على السلم وهو يقول:
- آسفين خالص يا أفندم.
لم يستغرق الأمر كله ثواني، ولكن المكان الذي وقف فيه تلك الثواني ظل يحمل أثر جسمه وكأنما ينبض بوجوده الفارع الأنيق وأنا أرفع إليه عيني وأنا قاعدة على الأرض لا أملك أن أغطي إحساسي بأنني عارية.
ولم يمضِ نصف ساعة حتى كنت في غرفتي بعد الحمام عندما سمعت أخي يدير مفتاحه في الباب الذي أغلقته ويطرق على الباب ليدخل وهو ما زال غارقًا في البويه محاولًا أن يعتذر بلطف زائد أنه وصديقه قد فكرا أنني لم آكل طوال النهار لانشغالي وأنهما قد يجداني مستعدة للطعام بعد هذا النهار والعمل الطويل. لم يكن مثل هذا اللطف عاديًّا من أخي أو مألوفًا، وكنت قد تمالكت نفسي وضحكت من منظره ولم أجد مبررًا أن أترك صديقه ينتظره على عتبة السلم، فقمت من فراشي لأعد لنا جميعًا مكانًا للطعام في غرفة ممدوح وطلبت منه أن يدعوه وقد ارتديت ملابسي وتأنقت كأنني في الصباح.
إنني ما زلت أذكر تلك الليلة وقد سهرنا نأكل ونتحدث حتى الرابعة صباحًا تقريبًا، فأنا لم أحب في تلك الليلة، ولكنني عرفت الكثير عنه وعرفت فيه قدرات غريبة تشع من عينيه ومن جسده كله، كتلك القدرات التي تركت أثرًا واضحًا لوجوده على الباب بعد أن هبط مسرعًا مع أخي. إنه لم يتحدث عن نفسه ولم أكد أعرف عنه تلك الليلة أكثر مما كنت أعرف عن اسمه وعن عمله. ولكنني وجدت نفسي أجيب عن استفساراته بحرية غريبة، هو يسألني عن العمل وعن طلباتي من إعداد الشقة ويتطوع بملاحظات سريعة نافذة لتحقيق ما أريد فتصدر منه الملاحظات والاقتراحات كأنها أوامر ناعمة لا يملك أحد أن يعصاها أو يعارضها.
كانت معرفته التفصيلية الدقيقة بأنواع الخشب والزيت، بل والخيط والقماش ومصادر الباترونات الجديدة، قد جعلت حديثنا كله عني وعن عملي، فلم يكن غريبًا أن أجد نفسي آخر الليل أكاد أطلب، وأنتظر، ثم أقبل وعده أن يأتي في الغد لمساعدتي. ومضت عشرة أيام وأنا لا أكاد أفترق عنه وهو معي في الشقة يشرف على العمل، وينزل للسوق ليشتري ما يحتاجه العمل دون أن يستأذنني أو أن أجد فرصة لخلاف معه على حساب للنقود أو حساب لطلباتي ولما أريد. كان فهمي صاحب قدرة غريبة لم أعرفها في أحد قبله، أن يناولك في يدك ما تريدين قبل أن تطلبيه وأن يسبقك حتى إلى معرفة طلبات جسمك. وعلى الرغم من أنني لم أنسَ أبدًا أنه رآني أول ما رآني شبه عارية فإنه لم تصدر منه خلال تلك الأيام التي أعد لي فيها الشقة من جديد أية كلمة أو حركة موجهة إلى جسدي.
ما أغرب هذا الجسد وما كان فيه من فضيلة. لقد تعودت طوال حياتي أن أخاف وأن أشفق على نفسي من الرغبة احتراسًا من أن أفقد ما سأحصل عليه لو أطعتها. كنت أعرف أن فضيلتي جزء لا ينفصل من محاولتي الوصول إلى نفسي وإلى حرية التصرف فيها. ولم يكن غريبًا عليَّ هذا التقلب في الفراش من قلق البدن، ولكنني لم أعرف هذا الشعور بأنني ألاكم نفسي كما يفعل أخي في «الشادو بوكسنج»، إلا بعد أن انتهت الأيام العشرة واختفى عني وأطبق على اسمه، بيني وبين أخي، في اللحظات القصيرة التي نلتقي فيها، صمت مريب وتجنب.
لقد انفتحت تحت قدمي بئر غريبة في الشقة الجميلة الفريدة التي تركها لي وانصرف. بدأت أحس بالوحدة تتزايد حولي كلما استعملت شيئًا مما تركه أو نظرت إلى زينة صغيرة أو «فاز» وضعه على مائدة أو حتى أزحت الستار لأنزله خلف الزبونات في ركن البروفة الذي أعده. كان قد ترك أثرًا في كل شيء وفي كل موضع وفي كل ساعة من ساعات النهار، تمامًا كذلك الأثر الذي تركه على الباب المفتوح ساعة رأيته لأول مرة.
إنني أذكر الآن بجسمي كله تلك الأيام وكأنها ثياب محبوكة على بدني، وأرتعش مع ذلك الآن وكأنني عارية كما كنت أرتعش قبل أن يعرفه جسمي. وأذكر نفسي وأنا أتودد لأخي دون أن أكلمه خشية أن ينفذ بعينيه إلى جسدي، فأرقبه أنا وقد امتلأت حدة وخشونة حتى مع الزبونات ومع أمي. ولم يعد يسعدني أو يسليني إلا أن أتلصص وحدي على أخي وقد تعرى نصفه وراح يضرب ظله في النور الخافت في الغرفة المجاورة. كانت الرغبة - كما هي الآن - قد أصبحت حاجة لا أستطيع أن أتملكها أو أسيطر عليها إلا بأن أتصور الألم والإيذاء لنفسي.
يا ربي.. لماذا يهبط الليل هكذا على المرأة وهي وحيدة مكبلة، لا تملك إلا أن تنتظر أن تمتد لها الأيدي بالأخذ والإيذاء؟!

رشا زيدان: روح



رشا زيدان

روح


مرت الأيام تلو الأيام ولم تتصل روح... لم ترد رشا أن تكون هي من يتصل... فقد كان تبادل أرقام الهواتف شبه مشروط بالاتصال للدعوة لحضور الحفلات سوياً... وفيما يبدو إنه لم تكن هناك أي حفلات في الأيام الماضية... كيف تقحم نفسها على شخصية هي لا تعرفها حتى إن كانت منجذبة لها كل هذا الانجذاب؟

ولكن أخيراً رن هاتفها المحمول وظهر اسم روح على الشاشة... التقطت الهاتف سريعاً وردت على المكالمة التي طال انتظارها...

روح: رشا إزيك أنا روح.
رشا: أهلًا روح إزيك إنتي.
روح: أنا حلوة الحمد لله... وحشتيني.
رشا: إنتي كمان وحشتيني أوي.
روح: طب ماكلمتنيش ليه لما أنا وحشتك؟
تفاجأت رشا بالرد وصمتت برهه... ثم قالت: عندك حق... بس أنا قلت يمكن إنتي مشغولة ولا حاجة...
روح: وحتى لو مشغولة يا ستي أفضالك... هو مش الاصحاب ليهم حق على بعض؟
تفاجأت ثإنيةً بردها وحدثت نفسها: "أصحاب"؟ إيه الجمال ده؟ أصحاب من ساعتين قعدنا فيهم جنب بعض وما اتكلمناش كمان؟
رشا: طبعاً أصحاب.
روح: قوليلي إنتي فاضية دلوقتي نشرب قهوة مع بعض؟
تفاجأت ثالثاً... ولكنها ردت سريعاً: طبعاً. فين؟

أنهت المكالمة وأسرعت ترتدي ملابسها متلهفة لرؤية روح...

وصلت رشا لذلك المقهى المطل على النيل بالزمالك فوجدت روح قد وصلت قبلها وتجلس في تلك البقعة البعيدة والشمس مسلطة عليها وكأنها كشافات مسرح تلقي بإضاءتها القوية على نجوم العرض لتبرز حضورهم وتشد انتباه الحاضرين لهم... وقفت لحظة تتأملها قبل أن تلحظ روح وصولها... كانت تشعر أن السماء تعلن أن هذه الروح ليست من العامة... إنها شيء مختلف... مضت رشا إليها ومدت يدها مصافحة روح فقابلتها روح بأذرع مفتوحة وابتسامة رقيقة وضمتها إليها وكأنها تريد أن تقول لها أن السلام بالأيدي للأرواح الغريبة التي لم تلتقي من قبل ونحن لسنا غرباء... ربما ليس في هذا الزمن ولكننا تقابلنا سوياً واجتمعنا من قبل...

جلستا سوياً تحت أشعة الشمس التي تسلطت عليهما معاً وعكست إحساس كل منهما تجاه الآخر وكأن كل منهما تحمل مرآة توجهها باتجاه أشعة الشمس لتعكس ذلك الاتصال الروحي القوي بينهما في صورة نور معلناً عن وجود شيء مختلف في هذه البقعة من الأرض في هذا الوقت بالذات... لافتاً انتباه الناظر إليه بقوة... ليعلم الملأ أن هاتين الروحين تربطهما علاقة قوية ببعضهما البعض.

روح: إيه ده؟ أخيراً شفتك... أنا من يوم التنورة بدور على يوم رايق علشان أشوفك ونقعد ونتكلم بس ربنا ما أذنش غير النهارده...
رشا مستغربة هذا الفيض من المشاعر ومبتسمة: الحمد لله... أنا كمان كان نفسي أشوفك أوي.
روح: كل حاجة بميعاد، مش كده؟ اللقا نصيب... وإحنا نصيبنا نتقابل يوم التنورة لكن نقعد ونتكلم النهارده...
رشا: الله... كلامك حلو قوي يا روح... فيه شبه منك...
روح مبتسمة: شبه مني إزاي؟
رشا: مش عارفة بس إنتي كلك على بعضك مختلفة... في الأول كنت فاكرة إن شكلك ولبسك وحتى اسمك بس هما إللي مختلفين بس دلوقتي اكتشفت إنك كلك على بعضك مختلفة.
روح: أنا ماكنتش كده خالص... إنتي لو كنتي شفتيني من خمس سنين بس كنتي ماتصدقيش أن أنا نفس الشخص.
رشا: معقول للدرجة دي؟
روح: واكتر... أنا اتغيرت تماماً... مش من بره بس، لأ أنا كل حاجة فيه اتغيرت وبقيت مخلوق تاني... لما بفكر أنا كنت إزاي وبقيت إزاي بقول: يا سلااااااام، قد كده إنت بتحبني يا رب؟ أصل ربنا ده جميل أوي... حتى أكتر مما عقولنا ممكن تتصور ولا تحط لجماله حدود أو خط... ده هو إللي خلق الورد والقمر والبحر أبو شط... وهو إللي ملون ريش الطاووس بألوان مالهاش وصف ولا حد... يبقى جماله هو شكله إيه؟ أكيد لا بيتقاس ولا بيتعد...
رشا: إيه ده يا روح إنتي إزاي بتتكلمي كده من غير ما تقري من ورقة؟ ماشاء الله عليكي... كلامك طالع كله جميل وموزون كأنه شعر.
روح مبتسمة: ده مش كلامي... مش بقولك جماله لا بيتقاس ولا بيتعد؟
رشا: بجد أنا أول مرة أشوف حد بيرتجل وهو قاعد كده عادي... إنتي فنانة مش كده؟
روح مبتسمة: فنانة إزاي؟
رشا: فنانة زي براء... بتغني يعني؟
روح: لا خالص.
رشا: يبقى أكيد كنتي عايشة بره مصر أو فيكي نص خواجاتي... ما هو أصل التركيبة دي ماتجيش غير من كده.
روح ضاحكة: أبداً... أنا مصرية مية في المية وعمري ما عشت بره مصر خالص وأهلي مصريين حتى النخاع... مش بس كده... أنا كمان متعلمة في مدارس عربي واتخرجت من جامعة القاهرة... يعني مافيش أي شبهة خواجاتي في الموضوع خالص.
رشا: طب يا تلحقيني يا ماتلحقينيش لأن أنا الفضول بياكل فيَّ حالياً وهاموت وأعرف إيه إللي حصل لك وغيَّرك كده زي ما بتقولي؟
روح: كل حاجة بوقتها يا رشا... هاعرفك حكايتي وإيه إللي غيرني بس دي قصة طويلة ومحتاجة تحضيرات كتير قبلها.
تحضيرات إيه! وإذا لم تكن روح ترغب بالبوح لها بقصتها فلماذا إذاً أخبرتها أن هناك قصة من الأصل؟ أنبت رشا نفسها على اقتحامها خصوصية روح وسؤالها عن قصة تغيرها... لا عجب أن روح لم تخبرها بتفاصيل القصة... فمن يريد أن يحكي عن حياته لشخص متطفل يقحم نفسه في أول لقاء على حياة الآخرين ويسأل أسئلة عن حياتهم الخاصة بدون وجه حق؟ هي نفسها قد تتراجع ولا تفصح عن تفاصيل حياتها الخاصة لشخص بهذه المواصفات حتى وإن كانت تشعر تجاهه بالارتياح الذي شعرت به تجاه روح.
حاولت رشا تدارك الموقف: إنتي بتشتغلي إيه يا روح؟
روح: أنا بشتغل عند نفسي حاجات كتير أوي... تقدري تقولي مصورة فوتوغرافية شوية... رسامة أوقات... شاعرة لو أمكن... ولسه الله أعلم في إيه تإني.
رشا: أصدق طبعاً... مش قلتلك فنانة؟ بس كل الحاجات دي بتشتغليها مع بعض؟ إزاي؟
روح: دي بقى أحلى حاجة في الموضوع... أنا قعدت سنين أشتغل مصممة في شركات دعاية كتير بس ما قدرتش أكمل... حكاية إني كل يوم الصبح أروح أقعد على مكتب وأصمم حاجات مطلوبة مني كان إحساس بيخنقني... وكل ما أتخنق أمشي واسيب الشركة وأروح أتعلَّم حاجة جديدة... مرة أتعلمت تصوير فوتوغرافي ... ومرة درست تاريخ إسلامي... ومرة طقت في راسي أتعلم لغة عربية... ما هو إزاي أبقى مسلمة وما أعرفش لغة عربية مظبوط... كل مرة كنت بدرس فيها حاجة كنت بحس إني طايرة فوق في السما جنب العصافير واليمام... وكل ما أحس إني بعلى لفوق كنت أرفرف أكتر بجناحاتي يمكن أعلى زيادة وألمس السحاب في يوم من الأيام... إنتي عارفة السحاب ده عامل زي إيه؟ عامل زي غزل البنات... في حد ما يحبش غزل البنات؟
رشا: يا سيدي!
روح: آه والنبي زي ما بوصف لك بالظبط... هو ده إللي كان بيحصل معايا... لغاية ما قعدت مع نفسي مرة وقلت: طب يعني هو إنتي غاوية خنقة؟ ما تعملي إللي بيبسطك وعيشي مبسوطة على طول... بلا شركات بلا وظيفة بلا وجع قلب... اعملي إللي إنتي بتحبيه وبس... وأديني أهوه بعمل كده... أرسم أي حاجة تعجبني... أخد بعضي وأطلع أسوان ولا سيوة ولا أتمشى في شارع المعز أصور الوشوش والشوارع والجوامع القديمة أو أي حاجة تعجب عيني... ينور في دماغي كلمتين أكتبهم، ألاقيهم في الآخر عملوا بيتين شعر حلوين أتبسط بيهم... في أحلى من كده عيشة؟
رشا: معقول بالبساطة دي؟
روح: هي أصلاً بسيطة واحنا إللي بنعقدها.
رشا: أيوة بس الشغل في الشركات بيعمل نوع من الأمان المعنوي والاستقرار النفسي... ده غير الأمان المادي طبعاً.
روح: بالنسبة لي ماكنش بيعملي أي استقرار نفسي. بالعكس كان بيتعبني زيادة وكان عامل زي الحمل إللي طابق على صدري... لكن الأمان المادي كان الحاجة الوحيدة إللي عطلت قراري وأخرت اعتزالي الوظيفة... كل ما كنت أتخنق أقول لروحي: طب هاتعيشي إزاي يا روح؟ هاتصرفي منين؟ بالذات إن في مجالنا التجربة والبعد بتبقى مغامرة... المصممين لما بيبعدوا عن المجال بتاعهم حتى لو شوية صغيرين ده بيدي فرصة للولاد المصممين الجداد يدخلوا ويثبتوا نفسهم لأنهم طبعاً بيبقوا زي العيش الصابح... أحلى وأطعم... كلهم طاقة وأفكار جديدة وإبداع...
رشا: فعلاً مشكلة... طب اتغلبتي عليها إزاي؟
روح: ما اتغلبتش... في وسط حكايتي إللي هاحكيهالك في يوم من الأيام... وبعد ما إبتدت حاجات كتير تتغير فيَّ واحدة واحدة من غير ما أحس... لقيتني بقول لروحي: إيه ده؟ هو إنتي وحشة أوي كده يا روح من جوه؟ فيها إيه لما الولاد الجداد يطلعوا وياخدوا فرصتهم وياخدوا مكانك كمان؟ هو أصلاً مكانك؟ هو مش مكان حد... هو مكان فاضي بييجي حد يشغله شوية. ياخد منه ويدي له وبعدين يمشي وييجي غيره... عايزة تفضلي ماسكة في حاجة مش بتاعتك من الأصل؟ لا وكمان مش حاباها ولا مبسوطة فيها... لقيت نفسي بسيب الشغل وأنا مرتاحة على الآخر... لا وكمان نفسي أدور على كل المصممين المتخرجين جداد وأساعدهم يلاقوا شغل وأرشحهم لأصحاب الشركات إللي أعرفها...
رشا: الله يا روح... إنتي بجد زي ما بيتقال حلوة من بره وجوه... مافيش ناس كتير ممكن تفكر بالطريقة دي... إزاي عرفتي توصلي للإحساس ده؟ إحنا كلنا في الدنيا بنبقى ماسكين ومكلبشين في حاجات وهي زي ما إنتي بتقولي كده مش بتاعتنا... لكن بنفضل ماسكين ومتبتين كمان علشان شوية أسباب معلقانا بيها... بس أقولك حاجة؟ متهيئ لي إنتي يمكن كان عندك دخل تاني خلاكي تحسي بنوع من الاستقرار المادي فشجعك على قرارك...
روح مبتسمة: خالص... ولا دخل تاني ولا أي نوع من الاستقرار المادي... مش بقولك دي كانت من أكتر المعوقات إللي واقفة في وشي... بس وحياتك ربك لما يريد الصعب بيتهون على رأي منير...
رشا: إنتي بتحبي محمد منير زيي؟ ده أنا بموت فيه.
روح: أنا عارفة إنك بتحبيه... أنا بحبه زيك بالظبط.
استغربت رشا رد روح. عارفة منين؟ ولكن تعطشها لإكمال الحديث لم يجعلها تتوقف كثيراً عند هذا السؤال فقالت: قصدي إنك ما كنش عندك دخل تاني تعيشي منه.
روح: كل إللي كان معايا قرشين في البنك كانوا فاضلين من شغلي مايكفونيش ست شهور على بعض بأسلوب حياتي إللي أنا كنت عايشاه.
رشا: طب عملتي إيه؟ ده إنتي جريئة أوي إنك تغامري بنفسك كده!
روح: بالعكس أنا ما غامرتش خالص... أنا سلمت روحي للي خالقها... تعيش زي ما هو خالقها مش زي ما الناس عايزاها تعيش... مش هو إللي خالقها؟ يبقى لازم هايهديها ويوريها طريقها فين ومنين...
رشا: سبحان الله
روح: أول ما ابتديت أفكر بالشكل ده لقيت حاجات كتير فيَّ بتتغير، الحاجات دي فرقت في ميزانية مصاريفي بنسبة مش قليلة... لقيت نفسي ببطل سجاير ومن غير أي معاناة... بقيت متضايقة من اللبس بتاعي وحاسة إني عايزة ألبس حاجة تريحني أكتر ما تكون ماركة وغالية وتعجب الناس... حتى الأكل... مابقتش نفسي تهفني على حاجة خالص... وأشبع من أي حاجة والسلام... ومش بس كده لأ ومبسوطة كمان... فعرفت إن ربي عايزني كده... بصيت لنفسي لقيته حررني من كل الشهوات دي في وقت قصير أوي ومن غير ما أطلب منه حتى... حررني من غير ما أتعب ولا أحس ولا حتى أعرف إني بتحرر منها... في قديسين ورهبان بيهجروا حياة المدن وبيروحوا يعيشوا في الصحرا علشان يحرروا روحهم من شهوات الدنيا دي كلها، وبيتعبوا وبيعانوا وبيطلبوا العون من الله... منهم إللي بيقدر ومنهم إللي مابيقدرش... أنا بقى قدرت من غير ما أبعد ولا أعاني ولا حتى أطلب منه المساعدة... هو لوحده وهبهالي الوهاب... حرر روحي من غير ما أعرف أنها كانت مسجونة... ولما خرجت بره سجني قلت: مش ممكن أدخله تإني! اتنفست بجد مش علشان أخد أوكسجين أعيش بيه... اتنفست علشان أشم ريحة هوا ربي في الكون... اتنفست وشميت بجد ريحة الحرية... ما أهو أصل الحرية لها ريحة بجد مش بس كلام... هواها يدخل جواكي تحسي في صدرك وكأنك بالعة عُشرُميت باكو نعناع... حاجة كده بتفتح كل الحاجات المقفلة بالترابيس والبيبان... تفتحها وتسيبها مفتوحة زي بلكونة بحري على الكورنيش ساعة العصاري في اسكندرية في عز الصيف.

صمتت رشا منبهرة... نعم صمت منبهر جمالاً ومُخترق حِساً... وجدت دموعها تسيل وهي مبتسمة... كلام روح لم يكن كلام عادي... لم يكن دائماً شعر موزون بقافية أو حتى بلغة عربية فصحى طوال الوقت ولكنه كان مؤثرا... كان يشبهها كثيراً. مزيج من العامية الجميلة مع الفصحى البسيطة مغلف بمسحة روحانية واضحة... لم تعرف توصيفه في دنيا الشعراء والكتاب... إذا كان زجل أو نثر أو سجع أو أي مسمى آخر... ولكنه كلام يدخل القلوب دون استئذان... نعم إنها لغة القلوب... تصدر من قلب وتتوجه لقلب... لا تمر على محطة العقول ولا تخضع لتقييم... التقييم الوحيد لها هو الدموع التي تسيل معلنة عن لمس المعنى لآخر بقعة في القلب... ومع تمام اللمس للقلب كله تخرج الدموع حباً وإعجاباً وتأثراً... تأثرت رشا بكل كلمة قالتها روح... إنها قاعدة حياتية للتحرر من قيود مجتمعية واهية... تقيد البشر في أماكن وفترات زمنية طويلة... تعساء... حزانى... ملهيين... لا يشغلهم سوى كيفية الإبقاء على تلك الأماكن أطول وقت ممكن حتى وان كانت ليست مصدر سعادة لهم... لماذا؟ لأنهم لم يتغلبوا على شهوات الدنيا الزائلة... شهوات الملبس والمأكل والسلطة والمال... شهوات مزيفة باهظة الثمن تلهيهم عن أن لكل منها بديل أقل ثمناً ولكنه أكثر إسعادًا.

شربت رشا قهوتها التي امتزجت بطعم جديد في هذا اليوم... طعم مختلف للحب... حب لا يربط بين رجل وامرأة كما تعود المجتمع في قصر كلمة حب على العلاقات بين الذكر والأنثى فقط... ولكنه حب ربط رشا بروح... أو بمعنى آخر حب ربط روح بروح.