18 January 2016

بدر الديب: حديث شخصي - أربع تنويعات




بدر الديب
حديث شخصي
أربع تنويعات


ترتيب الغرف

لم أكن أتصور أن حياتي.. أقصد نفسي، ستتغير كل هذا التغيير بعد أن قتلته. ليس هناك حقًّا حياة بعد ذلك، ولكن هناك تلك اللحظات والأيام قبل الإعدام الذي أنتظره.. إنها ملء الحياة، وأيام لا مثيل لها، ولم أعرف من قبل شيئًا يقاربها أبدًا. ولا بد أن يمتلك كل إنسان مثل هذه الأيام ولو مرة واحدة في حياته.. حتى لو كانت قبل إعدامه.
لا بد أن يملك الإنسان هذا الحق في الحديث الشخصي ولو لبضعة أيام، بعدها يصل إلى راحة أخيرة لا تنتهي.
على أبواب الموت، ومع كل هذه الإجراءات والحنان المفاجئ الذي يحيط بي في سجن القناطر، أحس بسعادة غامرة، ولون من النور الأبيض يملأ نفسي ويجعلني أرى في وضوح.. لا.. أنا لا أرى، ولكني أحس أن الأشياء والحقائق تترتب كلها في داخلي كما تترتب غرفة نظيفة مريحة.. أحس أخيرًا وأنا أقترب من الموت - الذي أصبح وقوعه مسألة أيام - أن حياتي فجأة قد أصبحت مفهومة مرتبة، كل شيء فيها له بداية ونهاية، وكل شيء فيها واضح وضوحًا كاملًا كأنني كنت أقصده.. وأقصده كما حدث وكما هو بالضبط.
لست أعيش في ذكريات، ولكن هذه الغرفة الضيقة التي أنتظر فيها الموت هي كل الحياة وكل الزمن وكل ما جرى.. لم تعد هناك محاولات ناقصة أو أسئلة ماكرة، أو لف ودوران على القروش وعلى عواطف الناس، ولم تعد هناك إجابات لم تكتمل أو أمانٍ لم تتحقق أو حتى رغبة في الجسد تريد أن تهدأ أو أن تنتهي.. لقد انتهى كل شيء، أو في الحقيقة أصبح كل شيء شيئًا.
لقد أعطوني هذا الورق وقلمًا لأكتب، فما أكرمهم في هذا السجن وما أطيب قلوبهم!
كنت قد بدأت أحس بالسمنة تُداخل جسدي وتبدو في أعلى فخذي وعلى بطني وعلى جانبي الثديين. كانت هذه السمنة ملحوظة محسوسة لي دون مرآة. وكنت أحس أنها ظلال تمتد من الموت القادم وأنها - كما سمعت كثيرًا - أمر طبيعي يصاحب الأيام الأخيرة للمحكوم عليهم بالإعدام. ولست أدري لمَ تملكتني تلك الرغبة الدافقة الصعبة التي تؤلمني وتوجعني كأنها دماء الطمث، لأمسك هذا الورق والقلم ولأكتب ولأظل أكتب، حتى يحين موعد الموت وتمتد الظلال كلها، ويصبح هذا النور الكبير الواسع الذي لا نهاية له ظلمة أخيرة يقع تحتها كل شيء.. نعم.. كل شيء.. حوادث حياتي كلها منذ أيام أن ولدت هنا في القناطر إلى أن عدت لسجن النساء في القناطر.. نعم، كل شيء.. أبي الشاويش عبد العظيم الذي مات قبل أن أنتهي من سنواتي في الفنون الطرزية، وبيت خالتي في شبرا، الذي ضمني سنوات طويلة وأنا أدرس وأتعلم الخياطة في بيتها وفي المدرسة، في باب اللوق، وكل الزمن.. والعمل كله بعد ذلك.
إن عليَّ أن أحترس من الأشياء؛ فهي موجعة تجرح وهي تهبط من القلم. وبودي أن أدعها تسقط وتقع كما تقع الظلال في البئر.. أو ربما مثل أطفال السقط الميتة.
إنني أتحرك بهدوء وفي سكينة باردة وكأنني قطة وأريد أن أخرج من هذا الإعداد الطويل لتحقيق رغبتي في الكتابة حتى وإن استخدمت السحر والبخور.. وأين أجده الآن؟ وحتى لو ظللت أبدأ، مع كل دقيقة من نيتي ومن رغبتي، ومن تلك الوحدة القصيرة الطويلة، التي أنتظر ولا أنتظر فيها.
لقد رفضت أن أقابل أمي.. ورفضت وأنا أسمع صوت اثنتين من زبائني، كانتا عزيزتين عليَّ، أن أخرج للقائهما. لقد رفضت أن آكل وإن ظللت أمسُّ الأكل وأضعه في فمي وقد أبتلعه، وأنا لا أدري، وكأنني أفكر لا آكل.
إن شيئًا أهم من الصدق وقول الحق يحركني إلى أن تصبح رغبتي وكل حياتي الباقية هي تلك الكلمات. لقد ظللت أقول الحق والصدق أثناء المحاكمة وأنا أخفي مع ذلك كل شيء وأنا لا أقول شيئًا.. وأريد الآن أن أتجاوز هذا بأن أجعل كل ما حدث يحدث، يوجد وأتركه أشياء في غرفة مرتبة.. مغلقة أو سقطت عليها الظلمة.
أحيانًا تنطلق في رأسي كما ينطلق الأرنب الأبيض صورة القناة الصغيرة في القناطر التي كنت أسير عليها وأنا طفلة وأذكر فجأة كل شيء، وكأنما ثبته نور الشمس بالدبابيس. الخضرة والهواء، وأحيانًا عطر الفول أو رائحة البرتقال والنارنج. وفي لحظة يخطر أبي في رأسي بخطوه الواثق الثقيل وهو في حلته السوداء الكثيفة عائدًا إلى البيت يحمل لحمة مذبوحة على الجسر وأحيانًا فراخًا أو بطة حية مربوطة الرجلين مدلاة العنق.
وفجأة.. تذهب الصورة والذكرى وكأنها لقمة قد ابتلعتها دون أن أدري.
وأصمت وأتحسس بيدي جسدي وقد علاه العرق الجامد الجاف وإن لم يُفقد بشرتي نعومتها وبياضها الطري.. وعندما أستعيد بأصابعي راحتي وشيئًا من رضائي عن بدني، أحس أن المشكلة كلها هي أنني امرأة وأن حقي في الحب وفي العمل هو شيء غير مضاف إليَّ. شيء ليس في بدني. وأن عليَّ أن أحارب من أجله وأن عليَّ أيضًا أن أقتل.. وإن كنت لم أجد أحدًا يقبل ما حدث.
هل كان عليَّ فعلًا أن أفعل ما فعلت، أن أقتله.. أن أتركه هكذا عاريًا يتفجر منه الدم وقد غاص المقص الكبير في صدره؟ لقد كان أول ما تفجر في رأسي - بعد أن سكتَ ولم يتحرك إلا بأن يترك الدم يسيل على الأرض حتى قدميَّ وأنا واقفة - أنني قد أصبحت فجأة شوهاء عجوزًا كأمنا الغولة أقف بمفردي على بئر.. ولم يتفجر شيء على الإطلاق في صمتي الكامل إلا تصوري لنفسي وقد ارتديت ثوبًا أسود لأنني قد أصبحت أرملة.
إنني لم أرتدِ هذا الثوب أبدًا.. لقد مات أبي وأنا صغيرة وما زالت أمي في منزلي في باب اللوق وأخي ممدوح الفاسد يواصل حياته الفاسدة في السجن.. وأنا أرملة.. لم ألبس فستانًا أسود.. لماذا يفجر هذا الشعور الدموع من جديد؟ لماذا تتساقط هكذا سريعة لتنفتح البئر من جديد في نفسي؟ ولماذا لا أستطيع أن أمسكها حتى لأرى ماذا أكتب؟
***
هناك فجر في الخارج وأصوات عصافير وبعض شتائم بذيئة وسعال وحركات مسموعة وكلمات من النساء تعودتها وعرفتها وهن يذهبن إلى المرحاض.. هناك خارج غرفتي حركة وحياة وأنا أقوم إلى الورق وكأنما أريد أن أتنفس وأن أسمح لقلبي أن ينبض وأن يدق مع الكلمات.
ليس في الحياة مثل تحرككِ إلى قرارٍ يجعلك تبدئين صفحة جديدة من حياتك.. إنك تصبرين وتترددين وتتجمع لك الجرأة أحيانًا. إنك تعيشين بالظروف وبالمعارف، وتحاولين. ثم تهدئين وتنسين وتعودين كما أنت وتسكتين. ويطلع اليوم ويليه اليوم التالي. ثم تجدين نفسك تغضبين وتتشاجرين وتحسين أن أقاربك وأهلك يسرقونك. فيبدأ جهدك من جديد للوصول إلى قرار تبدئين به صفحة جديدة في حياتك.. وأنا لست أدري لماذا أحدِّث النساء وأنا أريد أن أحدث الناس جميعًا.. هل ليس من حق المرأة أن تصل إلى قرار، أن تقلب بإرادتها صفحة جديدة في حياتها، أم عليها أن تظل دائمًا مأخوذة تتناولها الأيدي وترفعها وتضعها كما تريد وكما تشاء؟ لقد ظلت أمي تتحكم فيَّ، وخالتي، وزوجها، وأولادها، وأخي، وكل أحد آخر.
منذ مات أبي وأنا عند خالتي حتى أكملت سنوات الطرزية، وفي المدرسة وفي البيت كنت أعمل دائمًا لهم. أذاكر لهم. وأعرف ما يلقنونه لنا في المدرسة، لهم. وعندما أعود، أعمل لهم في فساتين الزبونات، كما أطبخ وأغسل وأنتزع القروش لتأخذها أمي أو أخي. إنني أذكر نفسي في المدرسة وقد أعددت شعري ووضعت عطرًا وبودرة خفيفة. وأرى نفسي في الشارع وفي الترام والأتوبيس بين باب اللوق وشبرا وأرى فخذيَّ وقد تعرتا أمام الطشت في الحمام وأنا أغسل وأنفي سائل من البرد وقدميَّ قد وضح فيهما التشقق واختلط جفافهما ببقايا مانيكير في الأصابع.. كنت دائمًا أكثر من واحدة، وكل واحدة لا أملك فيها شيئًا، ولا أكاد أفرقها إلا من المرآة.. لقد ظللت مدفوعة أعمل وأعمل دون أن أجرؤ لحظة على أن أتخذ قرارًا لنفسي إلا أن آكل أو أنام.. وحتى في هذا كانوا يرقبونني وكأنما آخذ شيئًا لا أستحقه.
هل كل البنات والنساء كذلك؟ لقد عرفت الكثيرات والكثيرات جدًّا، عرفتهن جيدًا وعن قرب. سمعت الحكايات والقصص وشهدت أنواعًا من حزنهن وفرحهن، وهذا الدلع الذي تعيشه المرأة وهي سعيدة أو وهي تفترس الرجل. عرفت التضحية التي يقمن بها للأولاد وللآباء وللأزواج. الرعاية للمريض والفلوس للمحتاج والخضوع للرغبة ثم البكاء والبكاء الطويل، وألوان الحيل والأكاذيب التي تصنعها النساء ليخدعن الرجل ليخدمن رجلًا آخر أو ليرضين عشيقًا قاسيًا أو ابنًا لا يرحم. هذا الموكب الطويل من البنات والنساء عرفته وقلبته بيدي وأنا أقيس أبدانهن وأغطي العيوب أو أراهن وهن يحاولن إظهار المفاتن.
كنت أسمعهن وأنا أنظر معهن في المرآة فلا أرى نفسي ولكني أراهن، واحدة بعد الأخرى، وكل ما لهن من حياة، تتركز لحظات طويلة أو قصيرة في المرآة، ثم تذهب لتأتي امرأة أخرى أو بنت.. ولم يكن الفارق كبيرًا أو الواحدة منهن تفرق كثيرًا عن الأخريات.
ولست أدري هل توصلت إلى القرار في بيت خالتي وقد بلغت الثامنة والعشرين لأنني ظللت أراهنَّ هكذا، واحدة واحدة في المرآة، أم لأنني لم أرَ نفسي وأنا أنظر معهن إلى أبدانهن، أم لأنني ظللت أشتغل وأعمل من ساعات الفجر الأولى حتى آخر الليل كل يوم، دون أن أحقق شيئًا لنفسي، أو أجمع من الفلوس ما هو ملكي وحدي.
إن بدني القليل الصغير حي نشيط له مطالبه، ولكنهم كانوا يضعونني مع أمي وبنتين من بنات خالتي في غرفة واحدة في بيت شبرا الضيق، وكان علينا أن نترك فيه غرفة واسعة للعمل وللزبونات عندما يُحضرن الأقمشة والباترونات ويرتفع فيها صوت خالتي معهن وكأنما ليس في البيت أحد آخر، لا زوج ولا عيال ولا أمي.. أما أنا فمعظم وقتي في هذه الغرفة الواسعة.. أخدِّم على خالتي أو أعمل مستقلة وحيدة، بعد أن يذهبن جميعًا، على الماكينة أو بالإبرة في يدي والكستبان.. فإذا ما تساقطتُ من التعب وامتلأت ملابسي بقصاصات القماش ونتف الخيط وأحسست أن فمي قد التوى من طول النظر إلى خيط الإبرة وتتبع ضبطها ومسارها الدقيق، عدتُ إلى غرفة أمي وابنتَي خالتي لأحشر نفسي في السرير مرة مع أمي ومرة مع واحدة من البنتين.
لم يكن أحد منهم يتصور أنني أفكر أو أنني سأصل إلى قرار. كان زوج خالتي أحيانًا يتحدث عن زواجي وعن احتمالاته، وكأنما يريد فقط أن يرضيني ما دام لا يستطيع أن يفعل ذلك بأي شيء آخر. أما أمي فلم يكن في رأسها إلا أن يصبح أخي رجلًا وأن يعمل قبل أن أفكر أنا في شيء مثل ما فكرت فيه، أو قبل أن أنفض يدي من القماش والخيط. وفي كل يوم وفي كل سنة لم يكن أخي يفعل شيئًا إلا أن يسقط في مدرسته الزراعية، وأن يجبرني على أن أسلمه من النقود أكثر مما يأخذ من أمي ليصرفها بعد ذلك على جنونه بالتصوير والكاميرات أو بتعلم البوكس أو على بنات ونساء كنت أراهنَّ أحيانًا أمامي في المرآة. ويمن عليَّ بعد ذلك بأنه يجلب لي زبائن.
كانت خبرتي قد فاقت بكثير خبرة خالتي وقدرتها، بعد سنوات المدرسة. وكنت قد أصبحت المفضلة عند الكثيرات لأقص الفستان ولأختار الباترون وأنواع الزراير والدانتيلا والأحزمة. وأصبحت خالتي خبيرة في تغطية عجزها والتمويه على تفضيل الزبونات لي بأنواع من الثناء تكيلها أمامهن عليَّ، دون أن تُشعرني إلا أنها تروِّج بضاعة.. لها.. وقد تدربتُ على المواجهة لهذه اللعبة المتكررة التي تقوم بها خالتي لسرقة جهدي وعملي، وتعلمتُ كيف أربط الزبونة بي، وكيف أجعلها لا تطمئن إلا إلى أحكامي وأعمالي، ثم أخيرًا كيف أحضر الحساب وأقبض الفلوس لأستخدم نفوذ الزبونة ووجودها لأنتزع من الحساب جانبًا لي.. كانت خالتي «تبرطم» كثيرًا بعد كل مرة وتحاول بعد ذلك أن تحاسب أمي أو أخي أو أن تحاسبني أنا في طلبات البيت الصغيرة على المبالغ التي أخذتها. ولكنني كنت دائمًا أسرع بها في الصباح التالي أو قبل الظهر إلى مكتب البريد لأضعها في دفتر التوفير الذي أحفظه دائمًا - تقريبًا - في صدري.
لم يكن القرار الذي اتخذته غريبًا أو جديدًا على أحد. كم من المرات صرخت وأنا غاضبة أنني «حاطفش»، وكم مرة قلت لأمي علينا أن نخرج من هنا وأن نفتح لنا بيتًا وحدنا. ولكن كانت هذه الكلمات تخرج دائمًا مع الغضب ومع البكاء ومع المعاندة للنفس والتعذيب لها دون أن تصل إلى شيء إلا إلى مزيد من التكرار للأيام ومزيد من الإحساس الدائم بالتربص لهم جميعًا يزداد ويقسو في داخلي. وقد يكون التكرار الممض المؤلم لما تريدين أن تغيريه والتربص المكبوت بمن يفرضونه هما أهم ما يدفعنا إلى القرار وإلى التنفيذ المفاجئ الذي يبلغ حد الخيانة.
إنني لا أستطيع أن أذكر الآن، وقد مر على قراري أكثر من عشر سنوات، كل التفاصيل التي تجمعت لي فجأة عن شقة ثلاث غرف وصالة في باب اللوق، كما تجمعت تلك الجنيهات التي لم تتجاوز المائتين في دفتر التوفير. كنا في بداية الخمسينيات، وكانت القاهرة لم تنفجر بعد عندما أخذتني معها زبونة كانت عزيزة عليَّ، وإن كان يبدو أن لها أطماعًا خاصة فيَّ لم أسمح لها أبدًا أن تُظهرها. وذهبنا إلى شارع فهمي قرب المحطة واستأجرت الشقة باسمي. ولكني ما زلت أذكر تلك الأيام السريعة المتعاقبة التي غيرت حياتي، وأنا أتسلل ساعات من شبرا لأعد غرفة للعمل في الشقة الجديدة، ولأشتري لها بعض ما لا غناء عنه من أدوات العمل والمطبخ، ثم ساعات العمل المتواصل في بيت شبرا، والنبأ الذي أذيعه سرًّا لزبونة بعد أخرى وأنا أفرغ من فساتينها أو من البالطو أو وأنا أصلح لها فستانًا قديمًا. والمرأة مع الفستان القديم تكون أكثر استعدادًا لأن تحكي أسرارها وأن تسمع وأن تعدك بأشياء كثيرة، بل وتكون أكرم في المعونة إذا سألتها ذلك. وعندما استقرت لي مجموعة من المواعيد والوعود أصبح من الضروري أن أواجههم جميعًا بالخبر، وإن أحسست أنهم قد بدأوا يعرفونه ويحسونه في تحركاتي وغيباتي وطريقة تعاملي مع الزبونات.
إن عليَّ الآن أن أنتظر وأن أتوقف؛ فقد دخلت عليَّ الشاويش تحية تحمل لي مزيدًا من الورق والإبرة والخيط والمقص وستجلس معي وأنا أعمل في إصلاح فساتينها القديمة. وستحدثني وستنتظر مني أن أبكي ولكني أسمعها وأجد راحة كبيرة في أن أعمل لها كراحتي تمامًا وأنا أكتب.. وأصمت لتنداح في داخلي بئر الدم الراكد الأسود وأصمت.


قبَّلتني وانصرفت بعد أن بكت هي عندما تحدثت عن يوم الموت وخسارتها هي؛ لأنها أحبتني وستظل تذكرني. وامتلأت نفسي مرة أخرى بهذا الغرور والكبرياء الذي احتفظت به في داخلي، وجعلني دائمًا أحس أنني أفضل مما يراني الناس وأن معظم النساء حولي لا يفهمن كل ما أستطيعه وما أقدر عليه. كان حزنها وعطفها وأنا أعمل لها وهي تستغلني حتى في أيامي الأخيرة، باسم الحب والعطف والتصدق عليَّ بالورق، هو تصرف قد ألفته من الأقارب ومن الزبونات، بل.. وحتى منه.. هو.
وأنا أريد أن أرتب روحي وأن أجعلها لأول مرة واضحة تمامًا مؤكدة في كل تصرف، حتى في جريمتي الأخيرة. ولو أنني بكيت الآن، لو أنني انشغلت بهذا اليوم القادم للإعدام لأصبحَت كل تلك الأيام القليلة الباقية لحظة واحدة يعمى فيها البصر تمامًا عن كل شيء كلحظة وقوفي على البئر تمامًا أو لحظة الموت نفسه. وأنا أريد لمرة أخيرة أن أصبح مرئية بكل ما فيَّ وأن يكون النور الساقط من الكلمات على الناس والأشياء وليس على عينيَّ وبصري.
كنت أتصور أنني قادرة على أن أتوصل إلى حريتي وإلى نفسي بما توصلت إليه من قرار. كنت أتصور أنني لم أجرؤ في حياتي قبل قراري أن أترك شبرا وأن أستقل في شقتي. إنني أبدأ حياة جديدة كلها ملكي وإنني بنفس القدرة التي أقص بها القماش قد صنعت من حياتي شكلًا جديدًا، وإن كل ما عليَّ بعد ذلك أن أزيِّنه وأحليه وأن أضم خيوطه التي قد تريد أن تنسلت بشريط تنظيف «وسير فيليه».
إن أحدًا منهم في شبرا لم يتحرك حركة عملية كاملة لتعطلني. كنت وحدي التي تحركت، أما هم جميعًا فقد توقفوا قليلًا وشتموني ثم غضبوا وحاولوا خصامي. ولم يمضِ أكثر من يومين حتى كانت أمي تسرق من أختها ما ستأخذه إلى بيتنا الجديد. وحتى بدأ أخي يحلم بأنه سيكون له غرفة مستقلة، بل حاول أن يسترضيني ويتعهد لي بأنه سينجح في العام القادم، وأنه لا بد سينتهي من دراسته ليصنع معي لنا حياة مريحة.. أما خالتي فقد استحالت إلى غولة خطرة وبدأت تمضغ سيرتي أمام الزبونات وتلقي عليَّ أوصافًا قاسية قبيحة وتردد أنني بنت فاجرة وناكرة للجميل، أما هن، فكن يضحكن في سرهن ويزددن قربًا مني وتصميمًا على أن ينتقلن معي بفساتينهن وصديقاتهن إلى باب اللوق.
لم أكن قد ذقت من قبل طعم القرار، أي قرار في حياتي. ولم أكن أعرف، بالفعل، أنني أستطيع أن أشكلها وأن أقصها على هواي وحسبما أريد. وقد ظل هذا الطعم والشعور بالاستقلال والقدرة على ممارسة الإرادة سنوات طويلة. في كل يوم كنت أزداد معرفة بعملي وبأخلاق النساء وبأسرارهن، وفي كل يوم كانت شقتي تستكمل أدوات العمل والراحة. ومع كل يوم كان حسابي في دفتر التوفير يزداد. ولم أكن أكبر فقط، ولكنني كنت أزداد تملكًا لنفسي وإحساسًا بأنني صاحبة القدرة على الرفض والقبول، وأن على أمي وأخي أن يستأذنا، وأن يعملا حسابًا لما سأقوله أو سأراه.
كان العمل يملأ حياتي من الصباح إلى آخر الليل. وكنت قد تركت لأمي تمامًا المطبخ والغسيل وحرصت على أن أتزين طوال النهار للعمل وكأنني أستعد للخروج إلى الشارع أو... لا، لم يكن هناك رجل في حياتي إلا أخي. كان يعاكسني أحيانًا ويطري فساتيني وزينتي ويقبِّلني بحرارة على خدي وفمي وهو يريد أن يأخذ مزيدًا من النقود. وكنت أعرف وأسعد أحيانًا وأعطيه، وكنت أحيانًا أخرى أعرف وأغضب وأصر على أن أمنع عنه ما يريد من مال.
لقد انقطعت عني خالتي تمامًا وأولادها وزوجها. كلهم سقطوا في بئر غريبة من الصمت والبعد صنعها قراري دون قصد واضح أو إرادة. لم أكن أريدهم فعلًا أن يتغيروا أو أن يتركونا، ولكنهم لم يكونوا وحدهم الشيء الذي تغير. لقد سكن في نفس أمي شيء، وأصبحَت أكثر هدوءًا وصمتًا مما كانت وهي تستعيد شيئًا فشيئًا طريقة معاملتها لأبي وتعاملني بنفس المعاملة والصوت والرضاء، وتنتحي جانبًا في مناقشة خفية لا أسمعها ولا أعرف موضوعها، مع أخي، تمامًا كما كانت تحدثني في الخفاء في بيت شبرا. أما ممدوح، أخي، فقد كان يكبر فعلًا ويصبح رجلًا وسيمًا مليئًا تكتسب عضلات جسمه فتوة واستدارة من مواصلته للبوكس وممارسته المستمرة له. كان، في الصيف، يفتح باب غرفته فأراه في غرفة العمل. وكنت أرقبه وأنا أعمل وهو يتدرب ليلًا وقد أطفأ الأنوار إلا من نور ضئيل بعيد وأكثر من سيدة وفتاة عندي لا يستطعن أن يمنعن أنفسهن من مشاهدة ظل جسده وقد تعرى إلى نصفه. كان يضرب ظله على الحائط ويكيل ناحيته اللكمات. وكنت أكرر، لمن لا تعرف منهن، كلمة «شادو بوكسنج» التي علمها لي والتي سمعتها أيضًا من أكثر من فتاة وهي تلفت نظري أنها تراه وتهمس لي بالكلمة في لهجة العارف المتذوق لما يفعل. وقد تجرأت إحداهن مرة واقترحت، وهي تضحك وتعاكس الظل على الحائط وتقلده في المرآة، أن أضع هذا الاسم على يافطة مع اسمي على باب الشقة.
كان كل شيء يبدو في هذه الأيام البعيدة وكأنه كامل تمامًا. اسمي على الباب: سميحة عبد العظيم، وأمي في البيت في ثيابها السود تخدمني وتنظر إلي في قلق لا يزعجني، وأخي الفاسد لا تضايقني كثيرًا تصرفاته ومطالبه.
كان العمل قد بدأ يتزايد على قدراتي وبدأت أفكر في الاستعانة بفتيات صغيرات لمعاونتي. وبدأ أخي يحاول أن ينظم علاقته معي وأن يجعل من نفسه مفيدًا نافعًا بعد أن تكرر فشله في المدرسة الزراعية.
ولم يستطع أن يتخلى عن البوكس وعن الكاميرات وتصوير الفتيات. وبدأت أراه يقترح عليَّ أن يشتري لي قماشات من بيروت والسعودية وليبيا. وبدأ فعلًا يحمل لي أنواعًا جميلة ونادرة ويقترح أن نعرضها ونبيعها في الشقة للزبونات الكثيرات. وعلى الرغم من أنني ترددت أول الأمر فإن الزبونات أنفسهن دفعنني إلى القبول وهن يتصايحن حول الأقمشة التي يعرضها عليهن ويتسارعن للاستعداد لشرائها وتقديم النقود له. ولست أدري هل كان هذا قرارًا جديدًا في حياتي أم كان عثرة كبيرة سقطت فيها دون أن أدري. إننا لا نستطيع أن نعلم متى تنفتح فعلًا الأبواب ويمتد أمامنا الطريق، ومتى يكون الذي ينفتح هو بئر وغصة في الروح.
لقد نظَّمت معه مسألة القماش المستورد دون أن أعرف تمامًا من أين يأتي به أو كيف يأتي به؛ فهو يقول إن أصدقاءه كثيرون في النادي وفي محل التصوير الذي يعمل فيه كلما طالت غيبته عن المدرسة أو قرر وأعلن لنا أنه لن يعود إليها. وعلى الرغم من أنني كنت أعرف أن صديقه صاحب محل التصوير هو فهمي عبد الحميد فإنني لم أكن رأيته ولم أكن أتصور أو أعرف أن طريق القماش المستورد سيقودني يومًا ما إلى الجريمة والقتل.
إن دموعًا ثقيلة تتجمع في عينيَّ، وفمي يتحرك بلا إرادة، وشفتاي ترتعشان رعشة لا أستطيع أن أتحكم فيها، وها أنا آكل وآكل من جديد دون أن أدري ماذا أفعل.
ما أكبر هذا الفارق بين الرجل الذي تحبه المرأة ونفس الرجل عندما تقرر أن تقتله! إنني - في هذا الفجر الجديد في غرفتي بالسجن - أحس أن حل اللغز في حياتي وتحقيق هذا الوضوح الذي أريده قبل أن ينتهي كل شيء، يتوقفان على فهم هذا الفارق والإمساك به. إنني أُعمل فكري بقسوة وشدة لأنني أريد فعلًا أن أستريح وأن أفهم. قد يطول بي الأمر، وقد تسبقني الأيام واللحظات الباقية في السجن، وقد تُقدم عليَّ بين الحين والحين الشاويش تحية، فأتوقف، ولكنني ما دمت قادرة لا بد أن أواصل الكتابة وأن أواصل الفهم.
إنني أحس كأنني أبدأ من جديد تمامًا، وأن كل ما كتبته كان مجرد حلم لا أستطيع إلا أن أتذكره وأن أحسه مترسبًا في نفسي دون تحديد ووضوح. أما ما أريده فعلًا فهو هذا القادم الذي يدفعني إليه الإصرار وبقية الكبرياء - بل والغرور - اللذان أعرفهما في نفسي. ولكن هل من الكبرياء أن تغطي المرأة نفسها بالعقارب والثعابين؟ وهل من الكبرياء أن تقطع المرأة طريق الحب والخيانة مرة أخرى وأن تفعل ذلك وهي تتفحص نفسها في خطوة؟ ألم يكن من الأفضل أن يستحيل هذا الجزء من حياتي إلى حلم لا أذكره ولا أعرف خطوطه؟
ولكنني أذكر بالتفصيل كل شيء. أذكر كل معنى وكل خطوة وكل حالة من حالات نفسي منذ أن رأيته أول مرة حتى انتهى الطريق فجأة على جسده العاري إلى نصفه ومقص الخياطة الكبير في صدره والدم يملأ الدنيا سوادًا وفراغًا كفراغ البئر لا رائحة للحمرة أو الدم فيه. إن هذه اللحظة الأخيرة هي دائمًا ما أقاوم السقوط فيه عندما أتذكر بالتفصيل خطوات هذا الطريق.
عندما رأيته أول مرة كنت قد قررت أن أعيد تنظيم الشقة وطلاءها واستخدام قواطيع جديدة في الغرف تسمح بشيء من السعة لعرض الأقمشة وأدوات الزينة التي يحضرها أخي إلى جانب المساحة الضرورية للعمل والبروفات والمانيكانات والمرآة الكبيرة والماكينة الجديدة التي اشتريتها مع كثرة العمل والطلبات. وكان الوقت صيفًا والساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكنت قد جلست على الأرض في الصالة على مدخل البيت مباشرة والباب مفتوح، وحولي جرادل البويه وعلب الزيت وقواطيع صغيرة من الخشب وأنا أحاول أن أجمع ما تبعثر من القماش والأدوات وأن أزيل البقع التي تركها عمال الطلاء على الأرض. وكنت على ركبتي وذراعي وأنا شبه عارية، قد تحرر صدري من السوتيان وليس عليَّ إلا سليب أحمر صغير وكومبينيزون أبيض قصير. كنت أيضًا عارية القدمين محلولة الشعر، وكنت أنوي أن آخذ حمامًا بمجرد أن أفرغ من عمليات التنظيف. كنت مطمئنة أنني وحدي تمامًا وأن أحدًا لن يمر بالباب المفتوح في هذه الساعة المتأخرة من الليل وأخي قد تعود التأخير حتى ساعات الصباح الأولى.. بل قد لا يعود ما دام قد تأخر إلى هذا الحد. أما أمي فكانت في فراشها تسعل أحيانًا وتنادي عليَّ ولكنها لا تتحرك من الفراش بعد جهدها طوال النهار. كنت أعمل وحدي وقد عادت لي أحاسيس جلستي وحدي في حمام شبرا أغسل ملابس العائلة، ولكنني كنت أحس بما حققت من حرية وأنعم بما أنا فيه من عري أمام نفسي حتى وإن كنت مثل الغولة منكوشة الشعر أتصبب عرقًا ولزوجة. إنني أذكر بالتفصيل استغراقي في الحلم بنفسي والراحة إليها وأنا أزيل بقعة عصية من على الخشب، حتى إنني لم أسمع بحركة صعودهما هو وأخي على السلم ولا بوقفتهما المتسمرة على الباب، وهما يحملان لفات من الورق من الواضح أنها لفات طعام. ولست أدري إذا كانت نظراتهما إلى جسدي العاري هي التي جعلتني أنتبه إلى رعشة تمر على ظهري وكأنها أنامل متلصصة أو أنهما قد تحركا فسقط ظلهما على الأرض أمام عيني، ولكني استدرت فجأة وإذا بي أمتلئ بغضب على أخي وكأنه غضب السنين كلها ولا أمسك نفسي عن أن آخذ فرشاة من الجردل وألقيها عليه لتصيبه وأنا أشتمه شتيمة لم أوجهها له من قبل. لم أنتصب واقفة، ولم يتحرك أخي بسرعة ولكنه كان هو الذي تحرك وهو يضمه بذراعه ويدفعه للخروج والاختفاء على السلم وهو يقول:
- آسفين خالص يا أفندم.
لم يستغرق الأمر كله ثواني، ولكن المكان الذي وقف فيه تلك الثواني ظل يحمل أثر جسمه وكأنما ينبض بوجوده الفارع الأنيق وأنا أرفع إليه عيني وأنا قاعدة على الأرض لا أملك أن أغطي إحساسي بأنني عارية.
ولم يمضِ نصف ساعة حتى كنت في غرفتي بعد الحمام عندما سمعت أخي يدير مفتاحه في الباب الذي أغلقته ويطرق على الباب ليدخل وهو ما زال غارقًا في البويه محاولًا أن يعتذر بلطف زائد أنه وصديقه قد فكرا أنني لم آكل طوال النهار لانشغالي وأنهما قد يجداني مستعدة للطعام بعد هذا النهار والعمل الطويل. لم يكن مثل هذا اللطف عاديًّا من أخي أو مألوفًا، وكنت قد تمالكت نفسي وضحكت من منظره ولم أجد مبررًا أن أترك صديقه ينتظره على عتبة السلم، فقمت من فراشي لأعد لنا جميعًا مكانًا للطعام في غرفة ممدوح وطلبت منه أن يدعوه وقد ارتديت ملابسي وتأنقت كأنني في الصباح.
إنني ما زلت أذكر تلك الليلة وقد سهرنا نأكل ونتحدث حتى الرابعة صباحًا تقريبًا، فأنا لم أحب في تلك الليلة، ولكنني عرفت الكثير عنه وعرفت فيه قدرات غريبة تشع من عينيه ومن جسده كله، كتلك القدرات التي تركت أثرًا واضحًا لوجوده على الباب بعد أن هبط مسرعًا مع أخي. إنه لم يتحدث عن نفسه ولم أكد أعرف عنه تلك الليلة أكثر مما كنت أعرف عن اسمه وعن عمله. ولكنني وجدت نفسي أجيب عن استفساراته بحرية غريبة، هو يسألني عن العمل وعن طلباتي من إعداد الشقة ويتطوع بملاحظات سريعة نافذة لتحقيق ما أريد فتصدر منه الملاحظات والاقتراحات كأنها أوامر ناعمة لا يملك أحد أن يعصاها أو يعارضها.
كانت معرفته التفصيلية الدقيقة بأنواع الخشب والزيت، بل والخيط والقماش ومصادر الباترونات الجديدة، قد جعلت حديثنا كله عني وعن عملي، فلم يكن غريبًا أن أجد نفسي آخر الليل أكاد أطلب، وأنتظر، ثم أقبل وعده أن يأتي في الغد لمساعدتي. ومضت عشرة أيام وأنا لا أكاد أفترق عنه وهو معي في الشقة يشرف على العمل، وينزل للسوق ليشتري ما يحتاجه العمل دون أن يستأذنني أو أن أجد فرصة لخلاف معه على حساب للنقود أو حساب لطلباتي ولما أريد. كان فهمي صاحب قدرة غريبة لم أعرفها في أحد قبله، أن يناولك في يدك ما تريدين قبل أن تطلبيه وأن يسبقك حتى إلى معرفة طلبات جسمك. وعلى الرغم من أنني لم أنسَ أبدًا أنه رآني أول ما رآني شبه عارية فإنه لم تصدر منه خلال تلك الأيام التي أعد لي فيها الشقة من جديد أية كلمة أو حركة موجهة إلى جسدي.
ما أغرب هذا الجسد وما كان فيه من فضيلة. لقد تعودت طوال حياتي أن أخاف وأن أشفق على نفسي من الرغبة احتراسًا من أن أفقد ما سأحصل عليه لو أطعتها. كنت أعرف أن فضيلتي جزء لا ينفصل من محاولتي الوصول إلى نفسي وإلى حرية التصرف فيها. ولم يكن غريبًا عليَّ هذا التقلب في الفراش من قلق البدن، ولكنني لم أعرف هذا الشعور بأنني ألاكم نفسي كما يفعل أخي في «الشادو بوكسنج»، إلا بعد أن انتهت الأيام العشرة واختفى عني وأطبق على اسمه، بيني وبين أخي، في اللحظات القصيرة التي نلتقي فيها، صمت مريب وتجنب.
لقد انفتحت تحت قدمي بئر غريبة في الشقة الجميلة الفريدة التي تركها لي وانصرف. بدأت أحس بالوحدة تتزايد حولي كلما استعملت شيئًا مما تركه أو نظرت إلى زينة صغيرة أو «فاز» وضعه على مائدة أو حتى أزحت الستار لأنزله خلف الزبونات في ركن البروفة الذي أعده. كان قد ترك أثرًا في كل شيء وفي كل موضع وفي كل ساعة من ساعات النهار، تمامًا كذلك الأثر الذي تركه على الباب المفتوح ساعة رأيته لأول مرة.
إنني أذكر الآن بجسمي كله تلك الأيام وكأنها ثياب محبوكة على بدني، وأرتعش مع ذلك الآن وكأنني عارية كما كنت أرتعش قبل أن يعرفه جسمي. وأذكر نفسي وأنا أتودد لأخي دون أن أكلمه خشية أن ينفذ بعينيه إلى جسدي، فأرقبه أنا وقد امتلأت حدة وخشونة حتى مع الزبونات ومع أمي. ولم يعد يسعدني أو يسليني إلا أن أتلصص وحدي على أخي وقد تعرى نصفه وراح يضرب ظله في النور الخافت في الغرفة المجاورة. كانت الرغبة - كما هي الآن - قد أصبحت حاجة لا أستطيع أن أتملكها أو أسيطر عليها إلا بأن أتصور الألم والإيذاء لنفسي.
يا ربي.. لماذا يهبط الليل هكذا على المرأة وهي وحيدة مكبلة، لا تملك إلا أن تنتظر أن تمتد لها الأيدي بالأخذ والإيذاء؟!

رشا زيدان: روح



رشا زيدان

روح


مرت الأيام تلو الأيام ولم تتصل روح... لم ترد رشا أن تكون هي من يتصل... فقد كان تبادل أرقام الهواتف شبه مشروط بالاتصال للدعوة لحضور الحفلات سوياً... وفيما يبدو إنه لم تكن هناك أي حفلات في الأيام الماضية... كيف تقحم نفسها على شخصية هي لا تعرفها حتى إن كانت منجذبة لها كل هذا الانجذاب؟

ولكن أخيراً رن هاتفها المحمول وظهر اسم روح على الشاشة... التقطت الهاتف سريعاً وردت على المكالمة التي طال انتظارها...

روح: رشا إزيك أنا روح.
رشا: أهلًا روح إزيك إنتي.
روح: أنا حلوة الحمد لله... وحشتيني.
رشا: إنتي كمان وحشتيني أوي.
روح: طب ماكلمتنيش ليه لما أنا وحشتك؟
تفاجأت رشا بالرد وصمتت برهه... ثم قالت: عندك حق... بس أنا قلت يمكن إنتي مشغولة ولا حاجة...
روح: وحتى لو مشغولة يا ستي أفضالك... هو مش الاصحاب ليهم حق على بعض؟
تفاجأت ثإنيةً بردها وحدثت نفسها: "أصحاب"؟ إيه الجمال ده؟ أصحاب من ساعتين قعدنا فيهم جنب بعض وما اتكلمناش كمان؟
رشا: طبعاً أصحاب.
روح: قوليلي إنتي فاضية دلوقتي نشرب قهوة مع بعض؟
تفاجأت ثالثاً... ولكنها ردت سريعاً: طبعاً. فين؟

أنهت المكالمة وأسرعت ترتدي ملابسها متلهفة لرؤية روح...

وصلت رشا لذلك المقهى المطل على النيل بالزمالك فوجدت روح قد وصلت قبلها وتجلس في تلك البقعة البعيدة والشمس مسلطة عليها وكأنها كشافات مسرح تلقي بإضاءتها القوية على نجوم العرض لتبرز حضورهم وتشد انتباه الحاضرين لهم... وقفت لحظة تتأملها قبل أن تلحظ روح وصولها... كانت تشعر أن السماء تعلن أن هذه الروح ليست من العامة... إنها شيء مختلف... مضت رشا إليها ومدت يدها مصافحة روح فقابلتها روح بأذرع مفتوحة وابتسامة رقيقة وضمتها إليها وكأنها تريد أن تقول لها أن السلام بالأيدي للأرواح الغريبة التي لم تلتقي من قبل ونحن لسنا غرباء... ربما ليس في هذا الزمن ولكننا تقابلنا سوياً واجتمعنا من قبل...

جلستا سوياً تحت أشعة الشمس التي تسلطت عليهما معاً وعكست إحساس كل منهما تجاه الآخر وكأن كل منهما تحمل مرآة توجهها باتجاه أشعة الشمس لتعكس ذلك الاتصال الروحي القوي بينهما في صورة نور معلناً عن وجود شيء مختلف في هذه البقعة من الأرض في هذا الوقت بالذات... لافتاً انتباه الناظر إليه بقوة... ليعلم الملأ أن هاتين الروحين تربطهما علاقة قوية ببعضهما البعض.

روح: إيه ده؟ أخيراً شفتك... أنا من يوم التنورة بدور على يوم رايق علشان أشوفك ونقعد ونتكلم بس ربنا ما أذنش غير النهارده...
رشا مستغربة هذا الفيض من المشاعر ومبتسمة: الحمد لله... أنا كمان كان نفسي أشوفك أوي.
روح: كل حاجة بميعاد، مش كده؟ اللقا نصيب... وإحنا نصيبنا نتقابل يوم التنورة لكن نقعد ونتكلم النهارده...
رشا: الله... كلامك حلو قوي يا روح... فيه شبه منك...
روح مبتسمة: شبه مني إزاي؟
رشا: مش عارفة بس إنتي كلك على بعضك مختلفة... في الأول كنت فاكرة إن شكلك ولبسك وحتى اسمك بس هما إللي مختلفين بس دلوقتي اكتشفت إنك كلك على بعضك مختلفة.
روح: أنا ماكنتش كده خالص... إنتي لو كنتي شفتيني من خمس سنين بس كنتي ماتصدقيش أن أنا نفس الشخص.
رشا: معقول للدرجة دي؟
روح: واكتر... أنا اتغيرت تماماً... مش من بره بس، لأ أنا كل حاجة فيه اتغيرت وبقيت مخلوق تاني... لما بفكر أنا كنت إزاي وبقيت إزاي بقول: يا سلااااااام، قد كده إنت بتحبني يا رب؟ أصل ربنا ده جميل أوي... حتى أكتر مما عقولنا ممكن تتصور ولا تحط لجماله حدود أو خط... ده هو إللي خلق الورد والقمر والبحر أبو شط... وهو إللي ملون ريش الطاووس بألوان مالهاش وصف ولا حد... يبقى جماله هو شكله إيه؟ أكيد لا بيتقاس ولا بيتعد...
رشا: إيه ده يا روح إنتي إزاي بتتكلمي كده من غير ما تقري من ورقة؟ ماشاء الله عليكي... كلامك طالع كله جميل وموزون كأنه شعر.
روح مبتسمة: ده مش كلامي... مش بقولك جماله لا بيتقاس ولا بيتعد؟
رشا: بجد أنا أول مرة أشوف حد بيرتجل وهو قاعد كده عادي... إنتي فنانة مش كده؟
روح مبتسمة: فنانة إزاي؟
رشا: فنانة زي براء... بتغني يعني؟
روح: لا خالص.
رشا: يبقى أكيد كنتي عايشة بره مصر أو فيكي نص خواجاتي... ما هو أصل التركيبة دي ماتجيش غير من كده.
روح ضاحكة: أبداً... أنا مصرية مية في المية وعمري ما عشت بره مصر خالص وأهلي مصريين حتى النخاع... مش بس كده... أنا كمان متعلمة في مدارس عربي واتخرجت من جامعة القاهرة... يعني مافيش أي شبهة خواجاتي في الموضوع خالص.
رشا: طب يا تلحقيني يا ماتلحقينيش لأن أنا الفضول بياكل فيَّ حالياً وهاموت وأعرف إيه إللي حصل لك وغيَّرك كده زي ما بتقولي؟
روح: كل حاجة بوقتها يا رشا... هاعرفك حكايتي وإيه إللي غيرني بس دي قصة طويلة ومحتاجة تحضيرات كتير قبلها.
تحضيرات إيه! وإذا لم تكن روح ترغب بالبوح لها بقصتها فلماذا إذاً أخبرتها أن هناك قصة من الأصل؟ أنبت رشا نفسها على اقتحامها خصوصية روح وسؤالها عن قصة تغيرها... لا عجب أن روح لم تخبرها بتفاصيل القصة... فمن يريد أن يحكي عن حياته لشخص متطفل يقحم نفسه في أول لقاء على حياة الآخرين ويسأل أسئلة عن حياتهم الخاصة بدون وجه حق؟ هي نفسها قد تتراجع ولا تفصح عن تفاصيل حياتها الخاصة لشخص بهذه المواصفات حتى وإن كانت تشعر تجاهه بالارتياح الذي شعرت به تجاه روح.
حاولت رشا تدارك الموقف: إنتي بتشتغلي إيه يا روح؟
روح: أنا بشتغل عند نفسي حاجات كتير أوي... تقدري تقولي مصورة فوتوغرافية شوية... رسامة أوقات... شاعرة لو أمكن... ولسه الله أعلم في إيه تإني.
رشا: أصدق طبعاً... مش قلتلك فنانة؟ بس كل الحاجات دي بتشتغليها مع بعض؟ إزاي؟
روح: دي بقى أحلى حاجة في الموضوع... أنا قعدت سنين أشتغل مصممة في شركات دعاية كتير بس ما قدرتش أكمل... حكاية إني كل يوم الصبح أروح أقعد على مكتب وأصمم حاجات مطلوبة مني كان إحساس بيخنقني... وكل ما أتخنق أمشي واسيب الشركة وأروح أتعلَّم حاجة جديدة... مرة أتعلمت تصوير فوتوغرافي ... ومرة درست تاريخ إسلامي... ومرة طقت في راسي أتعلم لغة عربية... ما هو إزاي أبقى مسلمة وما أعرفش لغة عربية مظبوط... كل مرة كنت بدرس فيها حاجة كنت بحس إني طايرة فوق في السما جنب العصافير واليمام... وكل ما أحس إني بعلى لفوق كنت أرفرف أكتر بجناحاتي يمكن أعلى زيادة وألمس السحاب في يوم من الأيام... إنتي عارفة السحاب ده عامل زي إيه؟ عامل زي غزل البنات... في حد ما يحبش غزل البنات؟
رشا: يا سيدي!
روح: آه والنبي زي ما بوصف لك بالظبط... هو ده إللي كان بيحصل معايا... لغاية ما قعدت مع نفسي مرة وقلت: طب يعني هو إنتي غاوية خنقة؟ ما تعملي إللي بيبسطك وعيشي مبسوطة على طول... بلا شركات بلا وظيفة بلا وجع قلب... اعملي إللي إنتي بتحبيه وبس... وأديني أهوه بعمل كده... أرسم أي حاجة تعجبني... أخد بعضي وأطلع أسوان ولا سيوة ولا أتمشى في شارع المعز أصور الوشوش والشوارع والجوامع القديمة أو أي حاجة تعجب عيني... ينور في دماغي كلمتين أكتبهم، ألاقيهم في الآخر عملوا بيتين شعر حلوين أتبسط بيهم... في أحلى من كده عيشة؟
رشا: معقول بالبساطة دي؟
روح: هي أصلاً بسيطة واحنا إللي بنعقدها.
رشا: أيوة بس الشغل في الشركات بيعمل نوع من الأمان المعنوي والاستقرار النفسي... ده غير الأمان المادي طبعاً.
روح: بالنسبة لي ماكنش بيعملي أي استقرار نفسي. بالعكس كان بيتعبني زيادة وكان عامل زي الحمل إللي طابق على صدري... لكن الأمان المادي كان الحاجة الوحيدة إللي عطلت قراري وأخرت اعتزالي الوظيفة... كل ما كنت أتخنق أقول لروحي: طب هاتعيشي إزاي يا روح؟ هاتصرفي منين؟ بالذات إن في مجالنا التجربة والبعد بتبقى مغامرة... المصممين لما بيبعدوا عن المجال بتاعهم حتى لو شوية صغيرين ده بيدي فرصة للولاد المصممين الجداد يدخلوا ويثبتوا نفسهم لأنهم طبعاً بيبقوا زي العيش الصابح... أحلى وأطعم... كلهم طاقة وأفكار جديدة وإبداع...
رشا: فعلاً مشكلة... طب اتغلبتي عليها إزاي؟
روح: ما اتغلبتش... في وسط حكايتي إللي هاحكيهالك في يوم من الأيام... وبعد ما إبتدت حاجات كتير تتغير فيَّ واحدة واحدة من غير ما أحس... لقيتني بقول لروحي: إيه ده؟ هو إنتي وحشة أوي كده يا روح من جوه؟ فيها إيه لما الولاد الجداد يطلعوا وياخدوا فرصتهم وياخدوا مكانك كمان؟ هو أصلاً مكانك؟ هو مش مكان حد... هو مكان فاضي بييجي حد يشغله شوية. ياخد منه ويدي له وبعدين يمشي وييجي غيره... عايزة تفضلي ماسكة في حاجة مش بتاعتك من الأصل؟ لا وكمان مش حاباها ولا مبسوطة فيها... لقيت نفسي بسيب الشغل وأنا مرتاحة على الآخر... لا وكمان نفسي أدور على كل المصممين المتخرجين جداد وأساعدهم يلاقوا شغل وأرشحهم لأصحاب الشركات إللي أعرفها...
رشا: الله يا روح... إنتي بجد زي ما بيتقال حلوة من بره وجوه... مافيش ناس كتير ممكن تفكر بالطريقة دي... إزاي عرفتي توصلي للإحساس ده؟ إحنا كلنا في الدنيا بنبقى ماسكين ومكلبشين في حاجات وهي زي ما إنتي بتقولي كده مش بتاعتنا... لكن بنفضل ماسكين ومتبتين كمان علشان شوية أسباب معلقانا بيها... بس أقولك حاجة؟ متهيئ لي إنتي يمكن كان عندك دخل تاني خلاكي تحسي بنوع من الاستقرار المادي فشجعك على قرارك...
روح مبتسمة: خالص... ولا دخل تاني ولا أي نوع من الاستقرار المادي... مش بقولك دي كانت من أكتر المعوقات إللي واقفة في وشي... بس وحياتك ربك لما يريد الصعب بيتهون على رأي منير...
رشا: إنتي بتحبي محمد منير زيي؟ ده أنا بموت فيه.
روح: أنا عارفة إنك بتحبيه... أنا بحبه زيك بالظبط.
استغربت رشا رد روح. عارفة منين؟ ولكن تعطشها لإكمال الحديث لم يجعلها تتوقف كثيراً عند هذا السؤال فقالت: قصدي إنك ما كنش عندك دخل تاني تعيشي منه.
روح: كل إللي كان معايا قرشين في البنك كانوا فاضلين من شغلي مايكفونيش ست شهور على بعض بأسلوب حياتي إللي أنا كنت عايشاه.
رشا: طب عملتي إيه؟ ده إنتي جريئة أوي إنك تغامري بنفسك كده!
روح: بالعكس أنا ما غامرتش خالص... أنا سلمت روحي للي خالقها... تعيش زي ما هو خالقها مش زي ما الناس عايزاها تعيش... مش هو إللي خالقها؟ يبقى لازم هايهديها ويوريها طريقها فين ومنين...
رشا: سبحان الله
روح: أول ما ابتديت أفكر بالشكل ده لقيت حاجات كتير فيَّ بتتغير، الحاجات دي فرقت في ميزانية مصاريفي بنسبة مش قليلة... لقيت نفسي ببطل سجاير ومن غير أي معاناة... بقيت متضايقة من اللبس بتاعي وحاسة إني عايزة ألبس حاجة تريحني أكتر ما تكون ماركة وغالية وتعجب الناس... حتى الأكل... مابقتش نفسي تهفني على حاجة خالص... وأشبع من أي حاجة والسلام... ومش بس كده لأ ومبسوطة كمان... فعرفت إن ربي عايزني كده... بصيت لنفسي لقيته حررني من كل الشهوات دي في وقت قصير أوي ومن غير ما أطلب منه حتى... حررني من غير ما أتعب ولا أحس ولا حتى أعرف إني بتحرر منها... في قديسين ورهبان بيهجروا حياة المدن وبيروحوا يعيشوا في الصحرا علشان يحرروا روحهم من شهوات الدنيا دي كلها، وبيتعبوا وبيعانوا وبيطلبوا العون من الله... منهم إللي بيقدر ومنهم إللي مابيقدرش... أنا بقى قدرت من غير ما أبعد ولا أعاني ولا حتى أطلب منه المساعدة... هو لوحده وهبهالي الوهاب... حرر روحي من غير ما أعرف أنها كانت مسجونة... ولما خرجت بره سجني قلت: مش ممكن أدخله تإني! اتنفست بجد مش علشان أخد أوكسجين أعيش بيه... اتنفست علشان أشم ريحة هوا ربي في الكون... اتنفست وشميت بجد ريحة الحرية... ما أهو أصل الحرية لها ريحة بجد مش بس كلام... هواها يدخل جواكي تحسي في صدرك وكأنك بالعة عُشرُميت باكو نعناع... حاجة كده بتفتح كل الحاجات المقفلة بالترابيس والبيبان... تفتحها وتسيبها مفتوحة زي بلكونة بحري على الكورنيش ساعة العصاري في اسكندرية في عز الصيف.

صمتت رشا منبهرة... نعم صمت منبهر جمالاً ومُخترق حِساً... وجدت دموعها تسيل وهي مبتسمة... كلام روح لم يكن كلام عادي... لم يكن دائماً شعر موزون بقافية أو حتى بلغة عربية فصحى طوال الوقت ولكنه كان مؤثرا... كان يشبهها كثيراً. مزيج من العامية الجميلة مع الفصحى البسيطة مغلف بمسحة روحانية واضحة... لم تعرف توصيفه في دنيا الشعراء والكتاب... إذا كان زجل أو نثر أو سجع أو أي مسمى آخر... ولكنه كلام يدخل القلوب دون استئذان... نعم إنها لغة القلوب... تصدر من قلب وتتوجه لقلب... لا تمر على محطة العقول ولا تخضع لتقييم... التقييم الوحيد لها هو الدموع التي تسيل معلنة عن لمس المعنى لآخر بقعة في القلب... ومع تمام اللمس للقلب كله تخرج الدموع حباً وإعجاباً وتأثراً... تأثرت رشا بكل كلمة قالتها روح... إنها قاعدة حياتية للتحرر من قيود مجتمعية واهية... تقيد البشر في أماكن وفترات زمنية طويلة... تعساء... حزانى... ملهيين... لا يشغلهم سوى كيفية الإبقاء على تلك الأماكن أطول وقت ممكن حتى وان كانت ليست مصدر سعادة لهم... لماذا؟ لأنهم لم يتغلبوا على شهوات الدنيا الزائلة... شهوات الملبس والمأكل والسلطة والمال... شهوات مزيفة باهظة الثمن تلهيهم عن أن لكل منها بديل أقل ثمناً ولكنه أكثر إسعادًا.

شربت رشا قهوتها التي امتزجت بطعم جديد في هذا اليوم... طعم مختلف للحب... حب لا يربط بين رجل وامرأة كما تعود المجتمع في قصر كلمة حب على العلاقات بين الذكر والأنثى فقط... ولكنه حب ربط رشا بروح... أو بمعنى آخر حب ربط روح بروح.   

11 November 2015

أحمد حجي: مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس



أحمد حجي
مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس


الأربعاء 5 أغسطس 1970

في الجبهة يولد الإنسان الجديد، يولد بين اللهب وأمام رصاص البنادق الآلية، وشظايا الدانات والقنابل، وتحت طائرات العدو المغيرة، هنا يجب على الإنسان أن يتخذ موقفًا واضحًا محددًا، إما أن يخاف ويجبن، وإما أن يقف في شموخ، دون أن تهتز منه شعرة واحدة. وفي الجبهة شاهدت ميلاده مع الاشتباكات اليومية بيننا وبين العدو، هذا الإنسان الجديد الذي علمه الرصاص كيف يكون الوطن هو حبه الأكبر، وكيف يحمل في قلبه مشاكله وهمومه، وما هو الحق، وكيف يكون الواجب.
إن اللحظة التي يعيشها الإنسان بين اللهب وتحت الخطر هي التي تخلقه من جديد، هي التي تجعله يلقي بحياته الرتيبة المرهفة لينام في الخنادق الترابية ويجوب ظلمة الليل الحالكة، ويعوِّد أذنيه على دوي المدفعية وهدير الدبابات. وبرغم الظلمة فإنه هنا يرى مصر أكثر من الجالسين في مقاهيها، هذا الصمت أحيانًا ثم ضجيج الاشتباكات أحيانًا أخرى، الطلقات المضيئة في الليل، السلاح والذخيرة والخوذة الحديدية.. ماذا بعد؟ إنها لحظة رائعة تلك التي يحس بها الجندي وسلاحه على كتفه وعيونه تخترق الليل، إنه حارس شجاع يحمل مصر كلها في قلبه ويحس بها مع كل خفقة.
إن هذه الحياة على الجبهة هي التي ألهمت قائد المدفع الذي بترت صواريخ الطائرات المعادية ذراعيه، فثبت قدميه على المدفع وأسقط إحداها. إنني أذكره جيدًا، وأذكر أيضًا ذلك الجندي الذي كان يحمي مؤخرة العبور، ورفض أن ينجو بحياته بعد أن اكتشف العدو خط انسحاب زملائه، وأصر على حماية ظهورهم، واستشهد في قاع القناة.
ماذا بعد أن ينزف الدم منا.. علينا أن نواصل القتال.. هل يموت الإنسان مرتين؟ إنها مرة واحدة وميتة واحدة، فمع تصاعد الموقف يتزايد الرجال الشجعان وتشتد حماستهم للقتال. هذه المجموعة من الرجال التي عبرت القناة إلى الضفة الشرقية كانوا يقبلون الأرض، ظلوا أكثر من خمس ساعات يتحرشون بالعدو حتى فوجئوا بطابور من المدرعات المعادية. وعلى الرغم من أن أسلحتهم وذخيرتهم كانت بسيطة لم يترددوا، اشتبكوا مع تلك المدرعات ودمروا منها دبابتين وعربتين نصف جنزير وعربة جيب.. كانوا يصيحون:
- الله أكبر.. الله أكبر.
وبين النار المشتعلة كانت طائرات العدو تبحث عنهم، إلا أنهم عادوا جميعًا بلا جريح واحد وهم يقبلون بعضهم بعضًا، ويقولون:
- لو كانت هناك ذخيرة أخرى.. لأبدنا طابور المدرعات عن آخره.
هنا وراء كل خبر عسكري قصة لإنسان ولد من جديد على الجبهة، إنسان يعرف كيف يحب وطنه، ويعرف معنى الواجب.. ويدرك اللحظة التي يقرر فيها شيئًا للوطن، ولذلك فإنساننا الجديد لا يهمه الرصاص ولا ما تردده إذاعات العدو.
إن المقاتل على الجبهة يثق بأن حل مشاكل الوطن الداخلية والصراع ضد الاستعمار هو بالمزيد من القتال.



الأحد 16 أغسطس 1970

في أول الأمر كنا نخجل من زملائنا المقاتلين في الجبهة عندما كانوا يسألوننا عن تسليحنا، كنا نقول لهم ونحن نعرف مسبقًا باستهزائهم:
- مدفعية 25 رطل.
فقد كان هذا السلاح من مدفعية الحرب العالمية الثانية قديمًا، بدائيًّا، قصير المدى، صعب التشغيل، وهناك الآن أسلحة أكثر خطرًا وزئيرًا منه متفرقة على امتداد جبهتنا، وكنا نستطيع أن نميز صوت مدافعنا من أصوات المدافع العديدة الممتدة من ورائنا على طول خطوط القتال، وكان لا بد لكتيبتنا أن تأخذ مكانها بالقرب من القناة حتى يكون لمدافعها العتيقة المدى المؤثر في مواقع العدو الممتدة أمامنا.
ومرت الأيام، ورأينا أن كتيبتنا تحتل موقعًا من أهم المواقع الدفاعية في منطقتنا، وأن علينا بمدافعنا القديمة أن نكون رجالًا وأن ننفذ تعليمات القيادة بأن نصمد في أماكننا مهما كانت ظروف الاشتباك مع العدو، فقد كانت القيادة تعلم بالطبع مدى الفارق الكبير في التسليح بيننا وبين مواقع العدو المواجهة لنا.
وكانت منطقة «الكاب» من المناطق التي تقع في دائرة دفاعاتنا، وكم من مرة حاول العدو العبور من هذه المنطقة وأغرقته مدفعيتنا القديمة في قاع القناة.
وذات ليلة وبعد أن كثفت طائرات العدو غاراتها الوحشية على المنطقة.. وركزت نيرانًا كثيفة على مواقعنا وحول كل ملجأ من ملاجئ الأفراد، حتى أصبح من الصعب أن يفكر الإنسان في الحياة تحت كثافة نيران العدو. وبرغم ذلك فحينما أراد العدو في تلك الليلة أن يعبر بقواته من المنطقة التي تحميها مدافعنا القديمة، دقت أجراس التليفون الميداني وتناولت الأيدي بثبات سماعات التليفون.. وجاء صوت جندي الاستطلاع يقول:
- العدو يعبر من منطقة «الكاب».
وقتها اختفت كل الهواجس، وفي لحظة كان هناك صوت قائد الكتيبة يأمر الرجال من خلف المدافع:
- اضربوا حتى آخر طلقة من أجل زملائكم على القناة.
اتجهت الفوهات على الفور صوب مواقع العدو وانطلقت منها القذائف متتالية عنيفة، واحتل الرجال الآخرون مواقعهم في لمح البصر في الخنادق وفي الحفر التي صنعتها قنابل الطائرات المعادية، يصبون من بنادقهم ومن رشاشاتهم وابلًا من الرصاص، وصوت القائد ما زال يهتف من التليفون الميداني:
- اضربوا حتى آخر طلقة.
كانت طائرات العدو تلقي على مواقعنا شحنات وحشية من القنابل، وتضربنا بالصواريخ المتتالية دون توقف.. أصيب عدد من مدافعنا.. واستشهد عدد من رجالها، وأصاب اليأس عددًا آخر من أفراد المدافع الباقية، وهموا بالتراجع.. صاح قائدهم:
- من يتراجع سوف أضربه بالنار فورًا.
عادوا إلى مواقعهم واستبسلوا مع بقية زملائهم.. ولكن الطائرات المعادية لا تكف عن إلقاء حمولتها المميتة على رؤوسنا حتى بلغت القلوب الحناجر، والقائد ما زال يصيح:
- اضربوا.. اضربوا حتى آخر طلقة.
انتابتنا روح من الجنون.. لم يعد يهمنا شيء.. نسينا الدنيا كلها، ولم يصبح أمامنا سوى العدو الذي يريد قهرنا واختراق مواقعنا.. كان الجنود ينتهزون فرصة انطلاق طائرات العدو وهي تحوم لتعاود الضرب من جديد.. ليعاودوا حشو مدافعهم بالقذائف، ويطلقوها قبل أن تعود الطائرات.
لقد أصبحنا نحن والمعركة جسدًا واحدًا، ولم نتنبه إلى أن مدفعيتنا القديمة أغرقت زوارق العدو، وأن جحافله كانت قد فرت عن آخرها.. لم ننتبه لذلك إلا بعد أن توقفت الطائرات عن الظهور فوق رؤوسنا.. ولم ننم حتى الصباح.. كانت المدافع ما زالت مشرئبة الأعناق، وحضر القادة مع طلوع أول ضوء، التقوا بجنود مجموعة من مدفعيتنا. كانت عيونهم حمراء، وما زالوا يلهثون من التعب، ربت القائد على أكتافهم وقبلهم، ووضع على صدر كل منهم شارة البطولة، وكنا نحن حينما نركب أو نتجول في المنطقة ويسألنا أحد من أي سلاح أنتم، كنا نتحاشى الإجابة على هذا السؤال خوفًا من السخرية، ولكننا الآن نقول باعتزاز:
- مدفعية 25 رطل.
فنحن الرجال الذين جعلناها تساوي وتواجه أعتى الأسلحة، وببسالتنا وإيماننا صارت هذه المدافع القديمة سلاحًا ماضيًا فعالًا.
وأصبح زملاؤنا على خط النار عندما يعرفون سلاحنا هذا يقولون:
- رجال حقيقيون.
كنا فخورين حقًّا.. وكان الجنود سعداء لدرجة غير عادية، وكان منظرهم مؤثرًا للغاية وهم ينظفون مدافعهم القديمة ويلمعونها، ويضبطون معداتها استعدادًا لقتال قادم لا بد منه.. وأخذوا يربتون على فوهاتها بحنان وحدب وكأنما قد أصبح لهذه المعدات الفولاذية قلب يحس ويعلم ويستجيب لصاحب الحق الذي يبحث عن حقه ولا يخذله.
وفجأة وبعد ستة عشر شهرًا من القتال المتواصل.. وكنا قد تعودنا الحياة تحت اللهيب المستعر وألفنا زئير المدافع ودوي القذائف، جاءنا الأمر بالتحرك والعودة إلى الخلف.
وفي الليل تحركت العربات تجر المدافع، وارتدينا نحن معاطفنا الصوفية اتقاء لبرد الليل القارس، كنا نشعر ببعض الحزن، ولكنه سرعان ما أصبح حزنًا مقبضًا ثقيلًا، عندما علمنا أن مدافعنا القديمة الحبيبة سوف تخرج من الخدمة بعد أن أمكن تسليحنا بسلاح جديد متقدم.. كانت لحظات اختلطت فيها مشاعرنا وقبلنا تلك المدافع قبل أن تغيب عن عيوننا كما يقبل الأخ أخاه.. وملأت الدموع عيون كثير منا، وهي تختفي في ظلمة الليل خلف العربات العسكرية.. ألم تحمِ كرامتنا؟ ألم تستجب لنجوانا؟ ألم تعطنا خير ما لديها؟ يجب أن يكون الإنسان وفيًّا حتى للصخر ليكون جديرًا بالحياة.
وقبل أن نغادر الموقع، وقفنا لحظات من الحزن العميق والصمت على أرواح شهدائنا التي فاضت في هذا المكان، وتذكرنا جرحانا الراقدين الآن تحت السلاح.. وقلنا دون أن ننطق.. إننا دائمًا سنكون رجالًا كما كانوا هم تمامًا.

10 November 2015

جميل عطية إبراهيم: النزول إلى البحر


جميل عطية إبراهيم
النزول إلى البحر

1
تزوَّج والده من فتاة صغيرة في عمر ابنته، وقد تجاوز عمره الستين عامًا، فأنجب منها طفلًا دهمته الحُمى منذ أسبوعين.
دق جرس التلفون في شقته بعد الظهيرة وكان ممددًا على أريكة. كانت عيناه مغمضتين وجاءه صوت والدته وهي تتحدث من دكان الأمانة خائفة لتُذكره بموعد الاستشارة وتطلب منه الحضور.
كادت الكلمات أن تخرج من فمه جارحة، لكنه لم يشأ في تلك اللحظة القائظة أن يزيد مرارة فمها مرارة، فبلع الكلمات قبل أن تخرج من فمه فتقلب الأوجاع عليها وتزيد مرارة فمها من جراء التهاب المرارة والبنكرياس.
قال لها وهو في أشد حالات الغيظ وقد انتقلت مرارة فمها إليه:
- دعي سنية تنتظرني بالرضيع الساعة الرابعة.
أسند سيد رأسه إلى حافة الأريكة، ورأى سنية تقف في بير السلم أسفل العيادة في الظلمة وترقبه قادمًا من ناحية السكة الحديدية فتندفع صوبه باكية وهي تقول له:
- أخوك مريض.
في تلك اللحظة يرفسها بقدمه صائحًا فيها:
- ليس لي إخوة يا ابنة الحرام!
يضرب الرضيع في الجدار ويحطم له جمجمته ويستريح منه؟!
استمر في جلسته فوق الأريكة في غرفته المظلمة يتحدث إلى نفسه وكأنه يخاطب لواحظ كما كان يخاطبها، فقال لها وهو يلوح بيده اليمنى:
- ذهبت إلى الطبيب وطلبت منه إجراء جراحة لأبي تمنعه من الزواج، أو الخِلفة على الأقل، فوبَّخني وسبَّني، وذكَّرني بأن دولة الاتحاد الاشتراكي والمخابرات قد دالت، وأن هذه الجراحة جريمة لا تُغتفر، ولا يُقدم عليها ابن إلا إذا لوثته الأجهزة.
التفت سيد بجسده إلى الناحية الأخرى وهو يتخيل لواحظ جالسة إلى يمينه قائلًا لها:
- ماذا أفعل؟! اللعنة على هذا العالم!
ونحى أوراقه جانبًا وهو يقول «اللعنة على الأوراق»، ثم حزم أمره وقام لينطلق إلى المقابر.
دق الدكتور صابر على صدر الرضيع وبطنه وتمتم ضاحكًا:
- عامان ونصف. ما شاء الله. سوف يعوض والدك خيرًا.
الدكتور صابر يسخر من معارضة سيد لزواج أبيه من تلك المرأة الشابة، ومن ضعف بنيته وقد أصيب بالسل في صباه. يتابع فحص الرضيع، ويداعب الممرضة، ويسبه بكلمات جارحة، ويدعي أنه دودة مثل والدته، وأنه لم يكتسب شيئًا من رجولة أبيه. «الناس في المدافن ديدان أو جدعان» هكذا يقول الدكتور صابر لمعارفه، وقالها قبل التحاقه بكلية الطب أيضًا. وقال سيد لنفسه: «هذا الطفل الممدد على المائدة دودة أيضًا».
قطع الدكتور صابر الصمت بضربة قوية من يده على المائدة قائلًا:
- ها نحن ننزل البحر مرتين يا سيد!
هل هي العودة إلى الجذور كما يقولون؟ وأكمل سيد متحدثًا إلى نفسه قائلًا: «لا أدري! لا أدري!».
التفت إليه الدكتور صابر متعجبًا وقال:
- أما زلت تتحدث إلى نفسك بعد كل هذا العمر؟
ورماه بنظرة فاحصة، ثم خفف من سخريته وقد راعه اصفرار وجهه، واستيقظت فيه حاسة الطبيب وتناول يده وعد نبضه، وسأله عن شعوره عند اليقظة، فأجابه سيد وعيناه زائغتان قائلًا:
- أحس بشخص في السرير يجذبني إليه ويمنعني من القيام.
عاد الدكتور صابر إلى طبيعته الضاحكة وسأله:
- رجل أم امرأة؟!
أجاب سيد في عفوية وبطريقة جادة:
- لا أدري!
طلب منه الدكتور صابر أن يعوده غدًا في المستشفى ليُجري له عدة تحليلات.
غادر سيد العيادة ورأسه يدور، والرضيع يتلوى بين يديه، وعبَر الميدان الصغير المليء بالسيارات والماشية والكلاب والأطفال ولافتة العيادة خلفه يراها دون أن يلتفت إليها: «الدكتور صابر عبد الحي» وبجوارها بخط أصغر قليلًا مكتوب: «أستاذ نساء وولادة وباطنية».
يقرأ سيد ذلك كله وهو يسير إلى الأمام وقد اختلطت دقات قلبه المتعب بدقات قلب الرضيع المصاب بالحمى الذي يتلوى بين يديه، ولا يدري هل يسنده إلى صدره أم يبعده عنه لحمايته من السل الذي دهمه في صباه وربما عاوده ثانية على كبر!
أقلبت سنية عليه وكأنها خرجت من الأرض وقد انشقت عنها فجأة فوجدها في قبالته بعد أن سمع صوتها يأتيه من الخلف وهي تنادي:
- سيد بيه.. سيد بيه.
أسلمها الرضيع والروشتة، وزودها ببعض النقود وابتعد عنها، وقد أرَّقته الطريقة التي تناولت بها الطفل وكأنها تخطفه خطفًا، وأحس بها تراه وهو يضرب الطفل في الجدار ويهشم رأسه وسأل نفسه: هل تقرأ هذه المرأة الجاهلة أفكاره أم أنه تفوه أمامها بشيء؟ وعندما أفاق من تساؤلاته كانت المرأة قد رمحت بعيدًا عنه ناحية البيت الذي يعرف رائحته وملمس حجارته المتساقطة، فودَّعها بعينيه حزينًا على الطفل، وعلى أبيه العجوز، وعلى أمه، وعليها أيضًا، وقد التصق بكاء الرضيع بصدره، وترك على ملابسه بعضًا من لعابه. وقال لنفسه: «عيناه تشبهان عيني أمه الواسعتين وقبضة يده الصغيرة ممتلئة مثل قبضة أبي».
أثارت ملابسها الرثة قرفه، وذكرته بأيام الطفولة عندما كان ينبش القبور والأرض بحثًا عن شيء يسقط من المعزين. وكلما ابتعدت المرأة عنه علا صراخ الرضيع كأنه يلاحقه ويسد عليه منافذ الهرب من الماضي.
سأل سيد نفسه وهو يضرب على الطريق: «أين ترمي الرياح بهذا الطفل الرضيع؟ هل يبقى في المقابر أم يذهب بعيدًا ويعبر النيل إلى حياة أخرى؟!».
في عيني الطفل رأى سيد طفولته وعذابات صباه وشبابه وسأل نفسه: هل يدهمه السل كما دهمه في صباه؟ أشد ما كان يحنقه في صباه في أثناء عمله بالجراج بعد توقفه عن الدراسة بسبب السل، سخرية السائقين منه في الرواح والإياب، ضاحكين من ضعف بنيته وشحوب وجهه، مشيرين إلى قوة أبيه الذي ضربة يده تهز الجبل قائلين: «نار تخلِّف رماد».
فجأة تذكر سيد الناي الذي كان يعزفه في صباه فيقلق به عفاريت الجبانة، وكيف أصبحت نفخة واحدة فيه تمزق صدره بعد أن دهمه السل وسأل نفسه: «هل الناي آلة حزينة أم أن عازف الناي يتعمد الشجن؟». وزلقت قدماه قليلًا، وأصابه دوار خفيف، لكنه تماسك في مشيته وقال لنفسه: «لا أدري!». وخرج طنين من رأسه وغمره من كل جانب، وأصبح مثل الطوفان، يأتيه من الأرض ومن الهواء الذي يتنفسه وسأل نفسه ثانية: «هل الناي آلة حزينة؟». وأجاب ثانية: «لا أدري!». وظل التساؤل يطارده، وأصوات متلاحقة تناديه وهو يندفع هاربًا من النداءات، والهدير يلاحقه ويحيطه بدائرته الشريرة وهو يرد على النداءات قائلًا: «لا أدري! لا أدري!».. ويلهث.
علا الهدير، وأطبق على الكون. انتهى كل شيء. وبعدها أحس بشيء طري تحته يتململ، وبذراعين تحيطان به، وبالقطار يمر بجواره، وبعد برهة خالها كالدهر مد رأسه وقد ابتعد القطار فلمح فردة حذائه على مبعدة منه وسأل نفسه كيف طارت فردة حذائه. وتعجب، ولم يعد يرى شيئًا سوى عشرات من الأيدي تحيط به وتجذبه بعيدًا عن القضبان.
من صرخاتهم أدرك أن حادثًا قد وقع له، وترك نفسه للآخرين يحملونه ويهرولون، ولم تعد به قدرة على الاستفسار منهم عما جرى له.
تكاسل بواب المستشفى عن فتح البوابة لعربة الموتى السوداء القادمة عصرًا، فترجل الدكتور صابر من العربة، وسقط بيده القوية على صدغه وهو يصرخ:
- طوارئ!
بوغت البواب بالدكتور صابر ينزل من عربة الموتى ثم يصعد إليها ثانية، فدق جرس الطوارئ وعاد إلى جلسته، وغرق في ضحك هستيري قائلًا لنفسه وأثر الصفعة على صدغه يحرقه: «عاد الدكتور صابر إلى أصله ثانية مغسلًا ومكفنًا للموتى كأبيه وجده». وسرح به الخيال قليلًا وقد تذكر ما يروونه عنه أنه أغلق عيادته في وسط البلد وانتقل إلى المقابر، وأكمل لنفسه: «لا بد أنه يعمل في شركة عائلية لإنقاذ الموتى بدلًا من دفنهم».
وسحب نفسًا عميقًا من سيجارته متأملًا حال الدنيا: «هذا الميت سوف يتم ترميمه فإذا فشل الدكتور صابر في مهمته تولى أعمامه دفنه».
سحابات خفيفة معطرة تعبق سيجارته وتحمله إلى مظان بعيدة، وروى لزميله، بعد أن قضى حاجة، ما جرى في غيبته، وكيف أن الدكتور صابر صفعه على قفاه عندما ضحك لما رآه في عربة الموتى وقال له: «العرق دساس يا دكتور صابر»، فأطل عليه من العربة وصفعه.
ساور زميله الشك في الحكاية بأكملها، ورأى مسايرته في تخيلاته، وأن يلفا سيجارة أخرى بالحشيش، وأن يضحكا قليلًا، فلا الدكتور صابر في المستشفى ولا عربة للموتى هناك أمام المشرحة.
أدخل سيد إلى غرفة الجراحة والدكتور صابر إلى جواره، وأفاق سيد برهة من غيبوبته وسأل قائلًا:
- هل ننزل البحر مرتين يا دكتور صابر؟
فقال له الدكتور صابر:
- نعم.. نعم.
قدمه تحرقه مثل النار، ويحس بروحه تسيل منها. روحه تتسلل من قدمه وتفارقه. واستسلم للجراحين في دعة.
روت زينات ما شاهدته للمحقق في عين المكان، فقالت:
- طلب مني الدكتور صابر أن ألحق بالأستاذ سيد وأعود به. نزلت السلالم جريًا، وخرجت إلى الطريق، ورأيته يسير على قضبان السكة الحديدية ويخرج عنها، وجريت خلفه وناديت عليه لكنه لم يسمعني، وكان القطار قادمًا من الخلف، فجريت ولحقت به وجذبته من ملابسه جذبة قوية سقطنا بعدها على الأرض في اللحظة التي مر فيها القطار فوقنا.
وبينما زينات تروي للمحقق ما حدث لها وقد لحقت قطع الزفت المشتعل بفستانها، سمعت صفير القطار قادمًا فانخرطت في البكاء، فأثبت المحقق الواقعة، وأمر بتأجيل التحقيق قبل اتهامها بالتسبب في قطع قدمه اليمنى.